• عدد الزيارات:

(الحرية والمساواة في الإسلام).. المفهوم الحقيقي للحرية

لا يمكن أن تتحقق إنسانية الإنسان بدون حريته، لأنه لا معنى لاختياره وإدراكه إذا لم يكن حرا. والإسلام يرى أنه لا يمكن أن تتحقق حرية الإنسان، وتخلصه من رهبة السيطرة وتحكمات البشر إلا بتوحيده لربه، وعبادته لله وحده.
وتاريخنا الحديث والمعاصر ينطق بأن الإسلام لا ينتعش ويزدهر، ويدخل إلى القلوب والعقول، ويؤثر في الأفراد والجماعات إلا في ظل الحرية التي يستطيع الناس فيها أن يعبروا عن أنفسهم وأن يقولوا: (لا) و(نعم) إذا أرادوا ولمن أرادوا، دون أن يمسهم أذى أو ينالهم اضطهاد.
إن ديننا احتوى على مجال فسيح، فالمبادئ الكبرى كالعدل الشورى والحرية والوحدة ترك تحديدها لنا بما يتوافق مع ظروفنا وأزمنتنا. أما الأمور العقيدية كالعبادات فقد حددها لأنها لا دخل للزمان ولا المكان فيها.
وقد قرر الإسلام حرية الرأي احتراما منه لهذا الحق الفطري الأصيل، وسبيلا إلى استخدام ما أنعم الله على الإنسان من نعمة الإدراك والبيان وهذا تقرير لحق إبداء الرأي، والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، فيجب على المسلمين أن يبدوا آراءهم في شؤونهم وأموالهم حتى تستقيم على أمر الله وهو حق لا يعتمد على إذن سلطات، ولا حق لأحد مهما علت درجته أن يصادره، أو يقيده، أو يدعي لنفسه الصلاحية فيتيحه لشيعته ويمنع غيرهم، فكل المسلمين في هذا الحق سواء.
وهذا ما طبقه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجتمع الإسلامي، على غير عهد للعرب ولا للمجتمع البشري كله بذلك.
يتقدم إليه الحباب بن المنذر برأيه في بدر، وسلمان في الخندق فيسمع إليهما، ويجد وجاهة رأيهما، وهو صاحب الكلمة العظيمة: (أشيروا عليّ أيها الناس) مصنف ابن أبي شيبة (36140).
وهو حق مقدس لا يضار به صاحبه، ولا يلحقه أي عنت أو أذى فأداء الشهادات على وجهها الصحيح لا يتم، إلا إذا عرف الشاهد أنه آمن في نفسه، مطمئن على أنه لا يلحقه أي أذى أو ضيق، فيتقدم لا يخشى حوله كبيرا ولا جاه رئيس.. ومن هنا كفل القرآن هذا الحق، ونص عليه، فقال سبحانه: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) [البقرة: 282].
وأداء الآراء للحكام والمسؤولين، لن يتم ذلك إلا إذا اطمأن الناس على حسن تقبلهم، وعدم ضيقهم، وعدم لحاق أي أذى بأصحاب الآراء.
ورحم الله عمر الذي قال له أحد المسلمين: (اتق الله) فلام بعض الحاضرين القائل، فقال له عمر: (لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فيَّ إذا لم أسمعها) رواه أبو يوسف القاضي بسنده في كتابه «الخراج» ص 12.
والكلمة - وهي عنوان حرية الرأي - لها في ميزان الإسلام خطرها وقداستها، فلا بد للمسلم أن يتحرى الصدق والتثبت، وأن يقول القول السديد الذي أمرنا الله به (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) [الأحزاب: 70].
مفهوم المساواة في الإسلام:
إن المفهوم الحقيقي للمساواة هو (كل على قدر جهده وتخصصه وإنتاجه وله على قدرها) فإعطاء كل ذي حق حقه هو المفهوم الإسلامي للمساواة.
إن عدو المساواة التسلط، فلا يكفي تدريس المفاهيم الأساسية للعدالة والحرية المنضبطة والمساواة للأطفال في المدارس، بل يجب ألا يناقض المجتمع في ممارسته هذه المبادئ، وإلا أصبحت ترسيخا للازدواجية في المعايير، وعندها يدرك التلميذ أن الواقع مخالف لما يدرسه من هذه العلوم.
لا تصبح المساواة حقيقة ملموسة، وشريعة متَّبعة إلا إذا تساوى الناس أمام الشريعة والنظام، سواء في ذلك السوقة والسادة، والأغنياء والفقراء.
إن نظام الخلق تحكمه سنة التفاضل لا التساوي، فالإسلام يحمي مبدأ العدل والإحسان، ولا يقر المساواة المطلقة كمبدأ عام، وقد دلت النصوص القرآنية على وجود التفاضل بين المخلوقات، كقوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} [الاسراء/21].
فالإسلام يقوم في الحقوق على مبدأ العدل، فلا يمكن أن يساوي الناقص الكامل، ولا يستوي الحق والباطل، ولا العالم والجاهل... الخ.
إن المطلوب هو أن تكون المساواة غير مرتبطة بمركز أو سلطان أو جاه أو مال فالإنسان بدونها كرمه الله ولا يستطيع مخلوق أن ينزع هذه الكرامة أو يعلقها على شروط خارجة عن ذات الإنسان المنضبطة إسلاميا.
إن إعطاء الفرص المتكافئة لقدرات وإنتاجية الشخص هي جوهر المساواة، وإن التساوي أمام القانون هو المقصود بالمساواة والعدل.
فيجب أن يتساوى أبناء المجتمع جميعا في حق الحياة، وحق التملك، وحق التعلم، وحق العمل، وحق العلاج، وحق الكفاية من العيش، والأمان من نكبات الدهر، لأن هذه حقوق إنسانية استحقوها بالصفة الإنسانية المحضة، لا بصفتهم من أبناء طبقة خاصة أو أسرة معينة، وما دام الجميع متساوين في حقيقة الإنسانية، فالتفريق بين فرد وآخر، أو مجموعة ومجموعة ظلم لا مبرر له.