• عدد الزيارات:

الثقافة العربية وأثرها على قضايا المجتمع

الثقافة العربية وأثرها على قضايا المجتمع

إن معالجة القضايا السياسية ترتبط بالاقتصاد، والاقتصاد يؤثر في المجتمع، والمجتمع يؤثر في التعليم، والتعليم يتأثر بها ويؤثر فيها. فالتحليل الاجتماعي بكافة جوانبه تحليل ديناميكي يؤثر ويتأثر.

والفتنة التي تحياها الأمة العربية والإسلامية طال أمدها، واشتد خطرها، وكلما ازداد تجاهل أسبابها، والتعامي عن دوافعها، تفاقمت واشتد خطرها.
ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الدُّهيماء ولا أحسب إلا أننا مقبلون عليها، فكل النذر تحذر منها، وجميع الظواهر تشير إلى اقترابها.
وما دفعني إلى كتابة هذا المقال - والله يشهد على ما أقول - إلا حب النصح، وصدق الكلمة، وإرادة الخير، فإن الألم يعتصر قلبي على واقع أمتنا ومصيرها الذي تسير إليه.
إن المفاهيم الأساسية للأمة تمثل ثقافتها وهويتها، ولن يفلح أي نظام إذا صادم الهوية الوطنية.
فالثقافة في حقيقتها هي الصورة الحية للأمة، وعقيدتها التي تؤمن بها، وثقافتنا ليست كغيرها من الثقافات المادية مجردة عن العدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، فقد جمعت هذه الآية زمام المأمور به والمنهي عنه.
والمشكلة ليست في العمى، وإنما في التعامي عن أمور واضحة، وأشد أنواع الكذب الكذب على النفس، ولو أدركنا أن المهم ليس إقناع الذات بل إقناع الآخرين لعرفنا أسباب الأحداث التي أطاحت بكثير كنا نظن أنهم أقوياء فإذا ببيوتهم أوهن من بيت العنكبوت.
وفي الثقافة العربية والإسلامية نجد أن للعنصر الأخلاقي فيها مكانا رحيبا. فقد جعلها الإسلام غاية الرسالة: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وإن فساد الخلق دليل فساد الإيمان، أو فساد العبادة، فإن ارتشى الإنسان، وكذب، وبغى وظلم وتكبر وتجبر فلا شك أنه نسي أن الله أكبر.
والأخلاق لا تتجزأ إلى أخلاق لمعاملة المسلمين، وأخرى لغير المسلمين، فالخير خير للجميع والشر شر على الجميع.
وهي تقوم على اعتبار أن الإنسان (مخلوق مكرم) من ربه: ولقد كرمنا بني آدم (الإسراء: 70). وهي تكرم الإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه، أو لغته أو موطنه، أو طبقته، بل عن دينه نفسه، فهو مكرم بإنسانيته قبل ديانته.
ولهذا وسعت هذه الثقافة وهذه الحضارة غير المسلمين، وفسحت لهم مكانا في مجتمعاتها، وأعطتهم ذمة الله وذمة رسوله، وبقي هؤلاء على عقائدهم وعباداتهم وشعائرهم، إنه التنوع الشامل أو الشمول المتنوع.
وهذه الثقافة تمثل الوسط، ومع أن الطرفين قد يوجدان داخلها، فإن الصبغة العامة لها وسطية الإسلام: وكذلك جعلناكم أمة وسطا (البقرة: 143). التوسط بين العقل والوحي، بين العلم والإيمان، بين المادة والروح، بين الحقوق والواجبات.
إن بناء ثقافة تعبر عن رأي الكل وتجلب السلم بين الأنا والأنا لا بد أن يقوم على دراسات إنسانية نستلهم بها الومضات الحضارية في تراثنا العربي الإسلامي، ولا بد أن يقوم على حرية فكرية ثقافية كالتي كان يسأل بها البدوي رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير خوف، وكالتي تعارض بها امرأة عمر بن الخطاب، وعلى تواضع الحكام والمسؤولين كتواضع رسول الله حينما قال: إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد.
والديمقراطية جزء أصيل في الثقافة الإسلامية، فقد بدأت من خلال الشورى في الإسلام، بدءا بانتخاب أهل الحل والعقد للصديق رضي الله عنه، إلى الانتخاب العام في زمن سيدنا علي، فهذا أكثر من مفهوم لمعنى وأمرهم شورى بينهم (الشورى 38) مما يعني سعة ومرونة النص، فإن كان الصحابة السابقون فهموها على هذا المنوال فأي دعوة تقبل بأن الإسلام لا يقبل الديمقراطية؟