• عدد الزيارات:

فتنة المال والسلطة

مكمن الخطأ عند بعض الرعاة على مر التاريخ هو شراهتهم في جمع المال، وعلى جمع الشرف بمعنى السلطة، فحين تحتكر الثروة فئة من الناس، أو تتمتع طبقة بامتيازات لا تتوافر لغيرها، يعني ذلك أنها القادرة على التأثير في السياسة، حتى البلاد التي تجري فيها انتخابات، يستطيع المال أن يلعب دوراً كبيراً في التأثير على الناخبين.
إن جميع المفكرين من أهل السنة كانوا لا يعدلون بالأمانة والقوة شيئا وقد سئل الإمام أحمد (ابن حنبل) عن الرجلين يكونان في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر ضعيف صالح مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره لنفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه للمسلمين فيغزى مع القوي الفاجر) “السياسة الشرعية لابن تيمية”.
إن إسقاط العدالة عن الناس بمطلق الأخطاء اليوم يكاد يسقط الجميع، ولا يبقي على أحد فلا بد من أن نفرق بين الذنب الذي يتعدى للآخرين والذنب الذي يحيط بالإنسان نفسه.
وما أحرانا أن نستمع لقول معاوية بن أبي سفيان إذ يقول: (لو كان شعرة ما بيني وبين الناس لما انقطعت لو شدوا أرخيت، وإن أرخوا شددت). والعجيب أن نجد في زماننا هذا أن أهل السنة بدؤوا يقدسون زعماءهم مثل الشيعة، فإذا كان أولئك جهروا بعصمة الإمام نجد أن واقع بعض المنتسبين إلى أهل السنة اليوم في تمجيد أئمتهم يقارب ادعاء العصمة لهم، فكل عمل حسن ينسب إليهم بتوجيهاتهم وأوامرهم وإن لم يأمروا بذلك، وهذا أمر يخالف الصدق والواقع.
فلماذا لا تنسب لكل إنسان أعماله حتى إن أخطأ يتحمل تبعة خطئه. ثم هل من المعقول أن يحترم الشعب نفسه إذا نسب كل شيء إلى حكامه؟ إن من الصور البشعة في التاريخ الإسلامي أن كل أمة جاءت ألبست من قبلها كل أنواع الخطأ وتآمر مؤلفوها وعلماؤها بنفي كل فضيلة عن الذي سبقهم، وتنسب لنفسها كل المحاسن. كما فعل العباسيون مع الأمويين، والفاطميون مع العباسيين... وهكذا.
لذلك ينبغي للنظم أن تبعد الظلم بعدا شاملا، وتحل محله العدل والمساواة بين الناس، حتى لا تتربى عقيدة الثأر داخل الطبقات فإن كانت منظمة ظهرت في شكل انقلابات وتمردات، وإن لم تكن في شكل منظم فإنما هي الفتنة الكبرى وامتداد الأيدي من كل ناحية فلا يعود هناك سلم اجتماعي.
إن وجود الحكومة في الجماعة ضرورة اجتماعية، لأن البشر يستحيل عليهم أن يعيشوا منفردين ولا بد أن يتجمعوا تدفعهم لذلك المصلحة والضرورة، فإذا اجتمعوا تزاحموا وتنافسوا وتغالبوا وفرقت بينهم المصالح والمنافع، وقامت بينهم الخصومات، فلا بد من حاكم يتزعمهم ويفصل في خصوماتهم.
فإذا كانت الأساليب الحديثة لا تتعارض مع النصوص القطعية الإسلامية وقول الله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) فما الذي يمنع من تطبيقها؟ مع مراعاة الخصوصية الإسلامية في أن الإنسان لا يستطيع أن يعارض نصا قطعيا وإن اجتمعت على ذلك الأمة.
ومن هنا ارتبط الدين بالدولة في الإسلام ارتباطا كبيرا، ارتباط القاعدة بالبناء، فالدين أساس الدولة وموجهها، ولا يمكن تصور دولة إسلامية بلا دين. ونحن لا ننكر أنه يجب تقنين الشريعة والاجتهاد الجماعي في ضوء مقاصد الإسلام، فتطبيق الشريعة لا يخيف العقلاء، فحتى الحدود التي قامت الدنيا وقعدت من أجلها مدروءة بالشبهات، لا سيما أن الإسلام احتوى على قدر ثابت من النصوص القطعية وترك مجالا واسعا للمتغيرات.