• عدد الزيارات:

(اضطراب المفاهيم والمصطلحات).. مفهوم الكفر والجاهلية في الإسلام

إن الجاهلية فترة وليست حالة، فلا يجوز إطلاق اللفظ بعمومه على مجتمعات المسلمين، فالجاهلية المطلقة أو (المجتمع الجاهلي) قاصرة على فترة ما قبل الإسلام، أما إذا أطلق الوصف بقيد وصفة جزئية لا بصفة عامة مطلقة فيجوز كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) صحيح مسلم (3147) فنقول: مجتمع فيه بعض العادات الجاهلية أو شخص فيه بعض صفات الجاهلية. لكن لا يجوز إطلاق القول بأنه (مجتمع جاهلي).
أما الكفر فهو وصف شرعي يترتب عليه أحكام كثيرة، فالكافر لا يزوج، وتطلق زوجته، ولا يرث ولا يورث، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ويحل دمه إن كان مرتدا. فإطلاق الكفر على المسلم أمر خطير.
يقول الإمام الغزالي: وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، والمصرحين بقول (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من سفك محجمة من دم مسلم. «التَّفْرِقَة بَيْن الْإِيمَان وَالزَّنْدَقَة» للغزالي، انظر فتح الباري لابن حجر (12/314)
ولا يلزم بعد الشهادة أو مع الشهادة شرط آخر، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يشترط للدخول في الإسلام شيئاً غير الشهادة وكان يقول: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) المستدرك للحاكم (4150).
نعم العمل جزء من الإيمان، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة (قول واعتقاد وعمل) ولكن افتقــار العمل لا يترتب عليه القول بالكفر، وإنما يترتب عليه القــول بنقص الإيمان، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
لقد راجت في الآونة الأخيرة عبارات جاهلية المجتمع وكفر المجتمع وغيره، ويعتقد كثيرون أن هذا التيار بدأ من بعض المفكرين المعاصرين.
وأقول: إن الأمر لم ينشأ في العصر الحديث بل أول من تجرأ على تكفير المسلمين هم الخوارج، ومرد ذلك هو الفهم السطحي لبعض النصوص الإسلامية، حتى ظنوا أنهم أكثر علما من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم ينقطع هذا الاتجاه كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلما مضى قرن قام آخر حتى يكون آخرهم مع ظهور الدجال).
ولقد وصفهم عبدالله بن عمر بقول جامع مانع إذ يقول: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.) أخرجه البخاري في صحيحه معلقا 6/2539.
وظيفة الحسبة:
إن أمر الحسبة هو ضبط آداب الشارع من قذف وشتم ومجاهرة بالمعاصي، وليس التفتيش عن عقائد الناس في قلوبهم، فلنا الظاهر، والله يتولى السرائر، والقاعدة الأصلية في الإسلام أنه لا إكراه في الدين، لذا فإن من يحاول أن يهتك ستر الله على المسلمين توعده الله بالفضيحة لأنه عارض اسما من أسماء الله وهو الستار.
يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من يتبع عوراتهم يوشك أن يفضحه ولو كان في جوف بيته) ذم الغيبة والنميمة لابن أبي الدنيا (28).
ثم إن ممارسات بعض الجماعات الإسلامية من تشدد واحتكار للفكر، حتى إنهم يصرون على لباس خاص بهم والتمسك بأمور مظهرية للتمايز على خلق الله بأنهم رجال الدين، فالعلم لا يورث، والعلم لا يجر منافع طبقية.
إن خوف كثير من المسلمين من تطبيق الشريعة مرده الخوف من الممارسات الخاطئة لبعض المتزمتين، والتي أطلقت على الإسلام ظنا منهم أنها هي الإسلام، والإسلام منها براء.
إن وظيفة المحتسب يجب أن يقوم بها أهل العلم والاجتهاد، إذ إن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد أن يحمل الناس على مذهب معين طالما أنهم يقلدون مذهبا معتبرا من مذاهب السنة، فالذي لا يعلم الاختلافات بين المذاهب قد يقع في أخطاء ضررها أشد من نفعها.