• عدد الزيارات:

رد على أبي زيد | المقالة الأولى

تابعت باهتمام الخبر الذي نشرته الصحافة حول قرار محكمة استئناف القاهرة، والقاضي بالتفريق بين الكاتب الدكتور / نصر حامد أبو زيد، وزوجته لكونها مسلمة، وباعتبار أن الدكتور قد قدم كتبا ونشر أبحاثا تعتبر خروجا على الاسلام مما يوجب اعتباره مرتدا عن الاسلام، وبما أن الاسلام يمنع استمرار العلاقة الزوجية بين المسلمة والمرتد كان من الواجب الحكم بالتفريق بين الزوجين.


ولست من أولئك الذين يتهمون الناس ويحكمون عليهم بالردة أو الكفر من جراء ما يصدر عنهم من آراء وكتابات، بل إنني أفضل الحوار البناء الذي يكشف الحق ويزهق الباطل، فعندما يكون الحوار علميا هادفا مترفعا عن العبارات السوقية، غير متوجه الى الأشخاص، بل الى الأفكار والآراء معتمدا على الحجج والبراهين الدامغة، يدرك الناس حينئذ زيف الباطل "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."


لقد قرأت الكتب التي أصدرها الدكتور (أبو زيد) وأطلعت على أبحاثه التي نشرها من أمثال: الخطاب الديني - نقد الخطاب الديني - الاتجاه العقلي في التفسير - مفهوم النص "دراسة في علوم القرآن"... وغيرها.


توقفت كثيرا عند كتابه الأخير "مفهوم النص" فما وجدت له تفسيرا ودافعا سوى: عداوة كامنة شديدة للقرآن الكريم، ودعوة الى رفضه ونزع قدسيته وتحرير عقول الناس من أحكامه...!!!


وإن ما يحز بالنفس أن هذا الدكتور أستاذ في جامعة القاهرة، والخوف كل الخوف على أولئك الشباب الذين يتخرجون من تحت يديه وقد رضعوا لبن التحلل من القيم الدينية.


وفي هذه المقالة وما يليها سأحاور هذا الكاتب من خلال بعض الأفكار التي تضمنها كتابه "مفهوم النص" وأسأل الله أن يعينني على بيان الحق إنه سميع مجيب.


في معرض حديثه عن الحضارة يقول: (الحضارة العربية الاسلامية هي حضارة النص بمعنى أنها حضارة أنبتت اسمها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه).


ثم يعود سريعا ليقول في نفس الصفحة (ان الذي أنشأ الحضارة وأقام الثقافة جدل الانسان مع الواقع فان النص أيا كان لا ينشىء حضارة ولا يقيم علوما وثقافة).


عجبت لهذا الرجل حينما يسمي الحضارة الاسلامية والعربية ومركز النص فيها.


ثم يعود وينكر قيام حضارة على نص فإنه بذلك ينكر الحضارة العربية والاسلامية. وهذا أمر قام وشهد له العالم من قبل وحكم الدنيا قرونا عديدة، ولكن يبقى أن تحدد تحديدا دقيقا بعض الكلمات التي أصبحت متداولة بين الناس مع عدم وجود مفهوم واضح محدد لهذه الكلمات:


الحضارة: ماذا تعني الحضارة؟ هي من الحاضرة ضد البادية.


فان كان التحضر هو التخلق بأخلاق الحضر فما الذي يمنع قيام حضارة على نصوص والحضارة والتمدن تقريبا معنى واحد، فالتمدن هي أخلاق المدينة، هل تعني الحضارة أو التمدن مرحلة معينة من التقدم المادي؟ أو هل هي قصر على التقدم المادي أم أن القيم هي الحضارة؟


أنا أفرق كثيرا بين التقدم الصناعي والتقدم التقني وبين الحضارة، فهل يمكننا وصف التقدم الصناعي والتقدم التقني في جو لا تحكمه قيم بلفظ الحضارة.


فهل الثورة الصناعية بكل ما أنتجته من تقدم صناعي في ظل معاناة الانسان وظروف العمل السيئة، وتشغيل الأطفال، والأجور المنخفضة وساعات العمل التي تفوق 12 ساعة والتعامل مع الانسان كآلة، هل تسميها حضارة أم ثورة صناعية؟


ثم الثقافة: هذا مفهوم مطاط يسميه كل شخص بمفهوم مختلف فهل الثقافة علم التبحر في العلوم؟ أم هي القدرة على الوصول للمعلومة؟ أم هي سعة الاطلاع المختلف الجوانب؟.


وهل الثقافة مقصورة على حوادث الزمن المعاصر وأحداثه؟ أم على الزمن الماضي؟ لذلك فان تعميمه بأن النص لا ينشئ حضارة ولا يقيم علوما أو ثقافة قول خاطئ فاني أرى أن مهمة النص الاسلامي هي ضبط علاقة الانسان بربه وضبط علاقة الانسان بأخيه الانسان وضبط علاقة الانسان ببقية المخلوقات على معايير من العدل والاحسان والحرية المنضبطة، اذن فمهمة النص في الحضارة الاسلامية هي تهيئة الجو القابل للعيش الكريم المتساوي وهذه هي الظروف التي تحتاجها أي حضارة انسانية للانطلاق سواء في الصناعة أو الزراعة أو غيرهما، ودليلي هو مساهمات المسلمين في العلوم والفنون في ذلــك الزمن، واستيعابهم للحضارات السابقة والاضافة اليها، وتوصيل هذه الحضارة للحضارة المعاصرة ففذلكة الكلام عند هؤلاء العلمانيين لا يهام الناس أمر ذو خطورة.


وأقف أمام كلمة الجدل:


إن الجدل في معناه اللغوي: هو التخاصم والمخاصمة في الحوار.


واختياره لكلمة جدل تعريبا لكلمة Dialectic فان هذا المفهوم نشأ عن النظرية الداروينيه في النشوء والارتقاء، بمعنى أن كل شيء يحوي نقيضه وان الصراع بين النقيضين يحوي مرحلة أخرى من الكمال.


مع أن النظرية نشأت في دراسة تطور الانسان وثبت فشلها وثبت تعارضها مع جميع النصوص السماوية ومع ذلك أثبت العلم التجريبي خطأ هذه النظرية، واستعار الفلاسفة هذه الكلمة وطبقوها على العلوم الانسانية كالتاريخ في محاولة للخروج بنظرية لحتمية التاريخ واستعارها الشيوعيون لحتمية الصراع الطبقي ويحاول الفلاسفة الجدد استعارتها أيضا في النصوص كأنهم لم يعرفوا أن نظرية DIALECTIC ثبت فشلها في جميع الميادين بما فيها مجال علوم الأحياء فان لم تثبت في العلوم التجريبية فما بالك بغيرها.


ونسوا أمرا مهما قاله القدماء وهو أن الحاجة أم الاختراع فهذه أصدق من مقولتهم، فالإنسان لا يخترع إلا إذا شعر بالحاجة. وهكذا نشأت العلوم.


حاجة تتضافر العقول على دراستها وحلها ولكن ليس جدلا مع الواقع أو DIALECTIC ويقول (واذا كانت الحضارة تذكر حول نص بعينه فلاشك أن "التأويل يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة وقد يكون التأويل مباشرا "استخراج دلالة النص ومعناه" وذلك في مجال العلوم الدينية، وقد يكون التأويل غير مباشر وذلك في مجالات العلوم الأخرى.. وقد حظي التأويل ببعض الدراسات التي ركزت على العلوم الدينية وتجاهلت ما سواها، إن البحث عن مفهوم للنص ليس مجرد رحلة فكرية في التراث، ولكنه بحث عن "البعد" المفقود في هذا التراث وهو البعد الذي يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من صياغة "الوعي العلمي" بهذا التراث).


كعادة جميع الفلاسفة عند مناقشة النصوص يحاولون مرة أخرى أن يفتحوا باب التأويل فان سد عليهم باب التحريف في النصوص بما بذله الفقهاء والعلماء المسلمون من ضبط لعلوم القرآن والسنة يحاولون التحريف باسم التأويل غير المنضبط.


ويحاولون إقناع الناس بأن هناك بعدا مفقودا هو البعد العلمي في التأويل حتى نصل لصياغة الوعي العلمي للتراث.


ومرة أخرى نعود لمغالطات هؤلاء الفلاسفة ماهي علاقة الانسان بالنص. إن علاقتي بالنص هي الفهم. فطالما أنني آمنت بالله ورسوله "صلى الله عليه وسلم"، على أن أفهم النص، وعلم الفهم علم اسلامي أصيل هو علم أصول الفقه وعلم الفقه.


ويتناقض هؤلاء الفلاسفة مع بعضهم فحينما يرى (أركون) أن الدراسات التي حكمت على اكتشاف الاعجاز العلمي في القرآن هي من قبيل التلفيــق ونسـب الظواهـر العمليـة للنصـوص.


نـجــد هذا يبحث في الوعي العلمي ومع ذلك إذا كان القصد هو اثبات أن القرآن تكلم عن حقائق علمية فهذا أمر أثبته الواقع وشهادة غير المسلمين بوضوح جلي لا لبس فيه، أما إذا كان ما يقصده من المنهج العلمي هو الوعي العلمي واستنتج من كلمة الوعي أنه يقصد الفهم فلا أجد فرقا كبيرا بين فهم ووعي،


ووعي علمي بالنصوص يعني فهما علميا للنصوص والفهم العلمي يقوم على أسس هي:


أولا: اثبات صحة النص وقد قامت بهذه المهمة علوم النقل المختلفة التي حافظت على الجانب المهم وهو صحة النص.


ثانيا: قواعد الفهم، وقام بهذا الدور علم أصول الفقه.


فان كان المناطقة يسمون علم المنطق بأنه القواعد الضابطة للفهم من الخطأ، فنقول ان علم أصول الفقه هو القواعد الضابطة للفهم الصحيح وهو علم لا يرقى الى مستواه أي علم من علوم الغرب في فهم النصوص.


فإخراج الفهم من حيز الوهم والهوى لابد له من قواعد يستوي فيها الناس جميعا والا لو ترك الحبل على غاربه لكل من أراد أن يفهم على هواه أصبح الأمر أهواء وبعد عن الوصف العلمي.


فالعلم منضبط بقواعد وأسس لا يختلف عليها أهل العلم.


ثم يتحدث الكاتب عن معركة "التوجيه الأيديولوجي" حول البحث في التراث فيقول:


(ان ثمة قوى في الواقع الثقافي والاجتماعي لا تريد تحقيق "الوعي العلمي" بالتراث لأن من شأنه أن يسحب الأرض من تحت "توجيهاتهم الايديولوجية" لهذا التراث، ولا شك أن المنتصر في معركة "التوجيه الايديولوجي" هذه هو الفكر الرجعي التثبيتي، وذلك لأن استناده الى التراث استناد الى تاريخ طويل من سيطرة الفكر الرجعي على التراث ذاته).


فهو يوضح حقيقة نواياه بالوعي العلمي بأنه لو تحقق سوف يسحب البساط من تحت الايديولوجية لهذا التراث.


عجيب أمر هذا الرجل، إذا كان الوعي هو الفهم فما الذي يعيبه على قواعد الفهم الاسلامي فليسلك مسلكهم ويرينا ماذا يخرج معه.


ثم هذا الخلط في معنى الايديولوجية فهي تعني العقيدة فهل الشك الآن في العقيدة؟ والتي تدور كلها حول أركان الايمان، أم أنهم تصوروا (لتأخر الاجتهادات الفقهية للظروف التي مرت بالعالم الاسلامي) أن الاسلام غير قادر على استيعاب حاجات الناس الأصلية؟ فقليلا من الجهد في دراسة نظرية المقاصد الشرعية تزيل الالتباس من أذهان هؤلاء. فلا أدري كيف اختلط الأمر في أذهانهم بين الفقه والفتوى وبين العقيدة، مع أن الفقه اختصاصه الفروع والاجتهاد وقد قال الفقهاء الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والمستفتي، وقالوا الاختلاف اختلاف زمان ومكان بل في هذا الأمر تجن كبير على الفقه الاسلامي، فلو كلفوا أنفسهم مراجعة الفتاوي الجماعية لمجامع الفقه في مواجهة أكثر الأمور تعقيدا مثل نقل الأعضاء واستخدام المياه النجسة بعد تكريرها، بل الجهد المبذول في الاقتصاد الاسلامي، لعلموا أن الدين الاسلامي خالد وقادر على مواكبة تطورات الحياة حتى قيام الساعة بإذن الله. فنعيب فقهاءنا وديننا، والعيب فينا وفي فكرنا وفي توجهنا وفي كسلنا.


وينبغي عليهم أن يقرؤوا بتدبر قوله سبحانه وتعالى "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا".