استمارة البحث

Your shopping cart is empty.

رد على أبي زيد | المقالة الخامسة

صورة مقال - رد على أبي زيد | المقالة الخامسة
الكاتب: عمر عبدالله كامل - التاريخ: 20 أبريل 2019 - 7:59ص
  • مقالات

[المتلقي الأول للنص "محمد" رسول الله صلى الله عليه وسلم]

 

  • إنسان شاء الفكر الديني السائد أن يجعله حقيقة مثالية مفارقة للواقع...!
  • لقد تشكل النص متجاوبا مع الواقع ممثلا في شخص محمد.
  • أسباب نزول القرآن:

 

لا يمكن افتراض تأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها.

 

بل يمكن افتراض تكرر نزول الآية أكثر من مرة، لأنه افتراض يؤدي احتمال نسيان نصوص القرآن من قبل الرسول ذاته..!!

 

  • تأخر الوحي في فترة ما كان نوعا من التأديب لـ "محمد"...!!!
  • وعندما يتحول الكاتب للحديث عن المتلقي الأول للنص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاول ان يجرده من عظمته وتميزه بين البشر ويعتبره إنساناً عادياً كعامة الناس في بيئته وعصره، وينسى بذلك اصطفاء الله له من بين البشر وعنايته عز وجل به منذ نعومة أظافره حتى بلغ سن الرسالة والأدلة على ذلك كثيرة وهي مطروحة في كتب السيرة.

 

يقول الكاتب: ((هذا ما يحكيه التاريخ عن الرجل والإنسان الذي شاء الفكر الديني السائد أن يحوله الى حقيقة مثالية ذهنية مفارقة للواقع والتاريخ.))

 

ونقول: إن هذا الزعم مخالف للواقع، فالنبي منذ الأزل في علم الله هو نبي، ولذلك كان معصوماً محفوظاً محفوفاً بالعناية الإلهية، وكان فذاً في الأخلاق والقيم والفضائل قبل أن يبعث، ولم يوجد له مثيل في أهــل الأرض يساويه حتى اشتهر بين قومه بالصادق الأمين.

 

ولنأخذ مثالاً على عصمته مما كان يقع فيه أترابه عندما كان فتى يافعاً، فعندما هم أن يسمر مرة كما يسمر الفتيان ودخل داراً أقيمت فيها حفلة للغناء والعزف ضرب الله على أذنه النوم فنام وما أيقظه إلا حــر الشمس، ثم كرر المحاولة ثانية فنام كما في المرة الأولى، ألا يـــدل ذلك على أن هذا بشر متميز يحضّره الله لمهمة سامية؟.

 

أما تجريده من إرهاصات النبوة وإعادته إلى رمز بشري عادي، فلو كان كذلك لما انصاع له الناس. لقد أكد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس مثلنا، فعندما نهانا عن مواصلة الصيام وكان هو يواصل قال: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل الى السحر، قالوا: فانك تواصل يا رسول الله قال: اني لست كهيئتكم، اني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" فضلاً عن الآيات التي دلت على عظمته وتميزه (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكذلك الآيات التي دلت على فضله ووجوب التعامل معه بأدب " الاستئذان للدخول عليه - غض الأصوات عنده " وعدم التجادل معه، وكلها آيات نزلت من عند الله توجب احترامه، حتى أنه قال مؤكداً لنا تميزه: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر".

 

  • ثم نجده يتساءل عن واقع العرب ونزوعهم للعودة إلى دين إبراهيم فيقول: ((لقد كان البحث عن دين إبراهيم في حقيقته بحثاً عن الهوية الخاصة للعرب، وهى هوية كانت تهددها مخاطر عدة، أهم هذه المخاطر هو الخطر الاقتصادي النابع من ضيق الموارد الاقتصادية وقد أوشكت حياة الصراع والتناحر والحروب بين القبائل أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها.))

 

هذا تفسير مادي للتاريخ، فالحرب لم تنقطع بينهم بل إن أهم قبيلتين ساهمتا في إقامة الإسلام (الأوس والخزرج) لم تنته الحروب بينهما إلا قبيل الإسلام.

 

إضافة إلى ذلك لو كانت هذه الفكرة حاضرة في ذهن العرب لتقبلتها قريش أولاً حينما نصحها أحدهم بقبول الرسالة لتدين لهم العرب، كما تقول الرواية.

 

وأما البحث عن دين إبراهيم فلا يعنى بحثاً عن دين خاص للعرب، فالنبي الوحيد الذي غطت رسالته أمماً كثيرة (غير محمد رسول الله) كان إبراهيم عليه السلام فقد دعا إلى الله ابتداء من العراق ثم في مصر وفي فلسطين ووصل إلى جزيرة العرب.

 

ونرى في كلامك هذا مشابهة لبعض أصناف اليهود والنصارى التي تعترف بالإسلام ديناً للعرب. كما نجد في كلامك مشابهة لكلام بعض الفلاسفة الذين يعتقدون أن الإسلام جاء ممالئاً لعادات العرب.

 

ونتساءل اليوم: هل برزت الشخصية العربية منفصلة عن الإسلام؟

 

فما يزال العرب آخر الناس وأكثرهم حرباً فيما بين بعضهم، ولو بحثنا عن سبب لذلك لما وجدنا سوى بُعدهم عن الإسلام وتخليهم عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإسلام لم يأت بهدف منهم لتوحيد العرب، بل إن الإسلام رقاهم الى فوائد وميزات أخرى اكتسبها العرب من الإسلام، لكنهم حينما ضلوا عنها عادوا الى فتنتهم السابقة وديونهم القديم.

 

إضافة الى ذلك يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن العرب من أصعب الأمم خضوعاً بعضها لبعض، وظهور النزاعات العربية أضرت حتى بالإسلام، فالنزعة المضرية والقحطانية والعدنانية هي التي أودت بالأندلس، وحتى اليوم نجد هذه النزعة منتشرة حسب المناطق.

 

  • ثم نجده يسهب في الحديث عن بحث بعض الأفراد عن دين إبراهيم، كزيد بن عمرو ورحلته الى أطراف الجزيرة والموصل وبلاد الشام وسؤاله للرهبان والأحبار عن الحنفية (دين إبراهيم) ويقول: ((لابد أن تكون هذه " الأيديولوجية" التي كان يبحث عنها هؤلاء الأفراد من العرب أيديولوجية تحقق الهدفين: مواجهة الصراعات الداخلية، ومواجهة الخطر الخارجي الممثل في أعداد العرب من الفرس والروم لقد رحل زيد بن عمرو باحثاً عن هذه الأيديولوجية في " دين إبراهيم.))

 

إن تحليلي يختلف عن تحليلك، إن زيد بن عمرو كان يبحث عن دين توحيد لا عن وثنية، فالمسيحية أصبحت لا تفترق كثيراً عن الوثنية بتأليه عيسى وروح القدس، فكأنه يقع فيما فرَّ منه. أما اليهودية فهي عنصرية متعالية، والحنفية تعني عبادة الله وحده فهداه عقله للتوحيد ولكنه لم يكن يعرف على أي مثال يعبد الله.

 

ولا تنس أن كثيراً من عقائد الحنفية كان معروفاً في مكة، ولم يبتدئ الشرك إلا في زمن عمرو بن لحي الذي حرف في أسلوب التلبية: "لبيك الهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك" وهو الذي أدخل الأصنام إلى مكة لغرض تجاري لأن القبائل الأخرى كانت تعبدها (هبل من الشام) حتى أن النصارى العرب كانوا يحجون إلى البيت وكانت صورة للعذراء والمسيح في الكعبة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطمسها، فهل هذا يعنى أن أهل مكة كانوا مسيحيين؟ أم أنهم جمعوا رموز عبادات جميع العرب ووضعوها في الكعبة من منطلق تجاري، ثم دخل الشرك في الناس.

 

ثم نجده يتكلم كلاماً غريباً عن تطبيق أحكام الشريعة إذ يقول: ((إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وثب على الواقع وتجاهل له، خاصة إذا تم اختزاله في مسألة تطبيق أحكام الحدود كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التي تطلق على نفسها اسم إسلامي. إن حصر غاية الدين وأهدافه في رجم الزاني وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر.. أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحي في تشريع هذه الحدود.))

 

إن ما يخيفكم في الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات، بل والرغبة في إبقاء تلك المظاهر التي حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر.. وغيرها، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.

 

لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة في التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.

 

وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء في تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجاني حتى يقام عليه الحد، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط:

 

أولها: أن يكون المال المسروق بالغاً لنصاب معين، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل.

 

ثانيهما: أن يكون المال المسروق محفوظاً في حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.

 

ثالثهما: ألا يكون للسارق شبهة تملك في المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.

 

رابعهما: ألا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه، كشراء طعام أو دواء.

 

وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟

 

أو هي وثب على الواقع وتجاهل له؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والاتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط في إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.

 

- ويعود الكاتب من جديد لتكرار رفضه لحقيقة حفظ القرآن في اللوح المحفوظ قبل نزوله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً من جديد أنه نتاج الواقع والثقافة، فيقول: ((إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقاً كاملاً مكتملاً فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجياً وذلك بتحويله من نص لغوى دال الى مجرد شيء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلاً لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل.))

 

نشتم في هذا الكلام أنك تقول بأن القرآن مخلوق، ومصدر اللبس عندك هو نزول القرآن منجماً. وثانياً أنك تنكر علم الله الأزلي القديم، فكأن الله لا يعلم بالحوادث إلا عند وقوعها وهذا مذهب البدء عند بعض الفرق الضالة.

 

نعم لقد نزل القرآن لتصحيح الأوضاع حتى تكون مطابقة للحق المراد من الله منذ الأزل، وقد احتوى من المرونة ما يجعله يستوعب المستجدات بكلماته المنضبطة ولذلك استحق التقديس.

 

وسواء صحت الروايات أن الحروف بقدر جبل قاف أم غيره فنحن نعلم أنه كلام الله وعلمه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو كانت الأمور بعظم حجمها فكيف استوعبت (420) صفحة دستوراً خالداً وظل معيناً لا ينضب للاستنباط حتى يومنا هذا.

  • وتأكيد لجدلية العلاقة بين النص والواقع يقول:

(إن النص هنا وإن كان يتشكل من خلال تجاوبه مع الواقع ممثلاً في شخص محمد، يتجاوز ببنائه وتركيبه تلك المناسبة الجزئية. إن النصوص وإن تشكلت من خلال الواقع والثقافة تستطيع بآلياتها أن تعيد بناء الواقع. وقد رأينا كيف أن النص الذي يخاطب محمداً ويستجيب لهمومه يتجاوز موقف الاستجابة السلبي إلى محاولة صياغة واقع جديد)

 

لقد بدأ خطؤك من الاستنتاج في البداية إذ أنك بدأت في الاعتقاد أن المشركين لا يعلمون أن الخالق هو الله، والدليل على عكس ذلك قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، فلم يكونوا ينكرون خلق الله لكل شيء ولكن كانوا يشركون معه في العبادة، فتدرج الله بهم من الحقائق التي يعرفونها إلى أخطائهم التي يمكن أن تنفي إذا علموا الحقيقة وقدروها حق قدرها، فما هو الداعي للشرك؟!

 

أما المفهوم - المستوى الدلالي - فهو لم ينشئ واقعاً جديداً، فالألوهية حقيقة موجودة وإن جحدها الكافر أو غطاها، فالقرآن لم ينشئ واقعاً جديداً إنما أزاح التغطية عن الواقع والدليل على وجود هذه الحقيقة في نفوسهم أن المشرك إذا وقع في ضنك لجأ إلى الله فإذا كشف الله غمته عاد الى جحوده ونكرانه قال تعالى: ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق...)

 

وقال تعالى (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مّر كأن لم يدعنا الى ضر مسَّه....).

 

ولكنهم جحدوها واستيقنتها أنفسهم.

 

ومنشأ هذا الخلط في تفكيرك أخذ القرآن مجزءاً والنظر إلى كل آية منفصلة عن غيرها وهذا من قبيل ضرب القرآن بعضه ببعض.

 

  • ويرفض القول بتأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها بقوله:

((بناء على هذا المعيار لا نستطيع أن نتقبل مثلاً ما يذهب إليه السيوطي من وجود نصوص في القرآن تأخر حكمها عن نزولها، أي نزلت النصوص أولاً ثم فرض ما فيها من أحكام شرعية وفقهية في مرحلة متأخرة غير مقارن لنزول النص.))

 

نحن نريد أن نسألك عن النصوص التي نزلت في زمن مخالف لزمننا كيف تحكم عليها؟

 

أليس بالعلة؟ فالعلة مدار الحكم وليس اللفظ فالألفاظ متناهية والوقائع غير متناهية.

 

ومن جانب آخر: قد ينطبق النص على أكثر من حالة فهنا تطبيق وهناك تطبيق آخر.

 

ثم إن القرآن كلام أزلي لم ينزل متفاعلاً مع الوقائع فقط (كما تدعي) وإنما هو في علم الله بأنه سيكون كذا وكذا. وإن تجريد القرآن عن وصفه الإلهي يدخلنا في أبواب جديدة هل هو حادث أم قديم؟ وكأنك تشير لرأي المعتزلة بأن القرآن مخلوق.

 

ثم يقول: ((أما خصيصة مراعاة الفاصلة: فإنها يمكن أن تفسّر أيضاً في ضوء تشابه آليات النص مع آليات النصوص الأخرى في الثقافة (سجع الكهان والعرافين).

 

كانت نبوءات الكهان والعرافين تعتمد على السجع، وكان للسجع من ثم دلالة في الضمير الثقافي على أن هذا الكلام ليس من كلام البشر الناطق به.))

 

أولاً: نزل القرآن متحدياً للعرب بأساليب بيانهم المعروفة، فلوكان سجعاً لما خفي عن العرب الفصحاء ولسموه سجع الكهان.

 

وثانياً: ليس القرآن كله متماثل الفواصل فهناك أماكن تتماثل فيها الفواصل وأخرى تختلف.

 

إنه نسيج فريد من نوعه حتى أن علماء البلاغة بعد نزول القرآن قسموا علوم البيان إلى شعر ونثر وقرآن فلم يبلغ فصاحته حتى الحديث النبوي وإعجازه المجمع عليه جميع فقهاء اللغة هو الإعجاز البياني والأسلوبي، فدقة العبارة ووضوح الإشارة مع الاختصار قمة البيان، وذلك بمقارنته مع غيره من الكتب السماوية كالتوراة مثلاً.

 

  • ويتحدث عن تفسير الحروف المقطعة لأوائل السور في القرآن الكريم:

((ولو تخلى القدماء هوناً ما عن هذا الحرص الشديد على المفارقة بين النص والنصوص الأخرى لأمكنهم أن يفسروا (الحروف المقطعة) في أوائل السور تفسيراً يتباعد بها عن إشكالية (المحكم والمتشابه) ويربطها بالسياق الثقافي للنص، لكن ذلك كان مستحيلاً مع سيطرة الاتجاهات الغيبية التبريرية على تطور حركة الفكر الديني في تراثنا.))

 

هل تفسير (الم) مثلاً سوف يزيد في علمنا أو ينقص وبالذات في تكليفنا، لو كان كذلك لما وسع الرسول إلا توضيحه، بل ومنزل القرآن سبحانه أشار الى أن هنالك متشابه (لا يعلم تأويله إلا الله)، وما دقت أعناق الرجال إلا في تتبع المتشابه الذي احتفظ الله به لنفسه. فالمحكم هو ما نحن مطالبون بتطبيقه، أما المتشابه فإعجاز إلهي، فما هي الجدوى من الاستطراد وراء تفسيره؟ مع أن بعض الباحثين في الإعجاز العددي في القرآن وجدوا أن هناك تناسباً بين الحروف المقطعة وعدد تكرارها في كل سورة، (إن كنا لا نؤمن بهذا النوع من التحليل لأنه ليس عربي الأصل) مع أنه رادع لمن يؤله العقل.

 

  • وحول تحديد نزول النص مكيا أو مدنيا يقول:

((كان من نتيجة عجز المفكر القديم عن ربط النص بالواقع والثقافة، وعن ربطه بغيره من النصوص، أنه راح يحاول الترجيح بين الروايات المختلفة حول تحديد ما إذا كان نص بعينه مكياً أو مدنياً، فهو يفترض أحد أمرين: الأول أن النص تكرر نزوله مرة في مكة ومرة في المدينة، والثاني أن النص نزل في مكة ولكن حكمه الشرعي والفقهي تأخر حتى المرحلة المدنية.))

 

لقد اختلط على كثير من الناس أمر الآية (إذا نزلت مجملة) وأمر تفصيلها، فقد تنزل مجملة ثم يأتي التفصيل بالحديث لاحقاً لذلك، فيظن البعض أن الآية نزلت مرتين أو غير ذلك.

 

فالنظرة الأحادية للتشريع الإسلامي تقود إلى أخطار مثل ذلك.

 

فلا ينبغي أن نفصل بين مصدري التشريع، فالسنة شارحة للقرآن، فحينما فرض الله الصلاة، ترك أمر تفصيلها للرسول صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى: (لتبين لهم)، وبعد أن فصّل لنا عليه الصلاة والسلام قواعد الصلاة قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي".

 

وبشكل عام كانت فترة مكة فترة ترسيخ للعقائد، والمدينة للتشريع وهذا لا ينفي أن يكون جزء من ذلك نزل هنا والعكس صحيح على قاعدة التدرج بالتشريع.

 

  • ويعلق الكاتب على افتراض تكرر نزول الآية ويعتبره عجزاً عن مواجهة آراء السابقين بالنقد، وأن هذا العجز نابع من الإيمان بقداسة الأشخاص، ويعقب على ذلك في الهامش فيقول:

((يمكن أن نرد هذا الموقف على المستوى الفكري إلى سيطرة الاتجاهات اللاعقلية بسيادة المنهج الأشعري في مجال العقائد والمنهج الصوفي في مجال السلوك.

 

وفي ظل هذا الاتجاه صُنفت الاتجاهات الأخرى في الفكر الديني كالمعتزلة والشيعة والفلاسفة بوصفها اتجاهات منحرفة. ولم يبق سوى ما أطلق عليه "مذهب أهل السنة والجماعة" وكانت هذه فيما ندري أول صياغة لصك البراءة والطهارة - صفة السني - لاتجاه واحد من اتجاهات تراثنا الفكري.))

 

لا غرابة أن تثور على أهل السنة، فالاعتزال واضح في فكرك وتحاول بكل الطرق إثارة الشبهات لإثبات أن القرآن مخلوق.

 

ولا غرابة في أن الفكر العلماني اليوم يعلي من شأن المعتزلة وغلاة الصوفية المؤولة والشيعة والفلاسفة، فهدف الجميع معروف وهو التشكيك في صحة القرآن والحديث والتأويل المنفلت الذي لا يضبطه ضابط حتى يخرجوا بتأويلات مع ما وقر في صدورهم.

 

فلا أدري هل علمانية اليوم اتفقت معهم أم توافقت؟ وهل بأجر أم بغير أجر؟ أم تشابهت القلوب فتطابقت الأعمال؟

 

فنحن نلتزم بنصوص الكتاب والسنة، أما اجتهادات الفقهاء فهم رجال ومعرضون للخطأ، ولكن الاتجاه العام للسنة واضح من خرج عليه لم نعده منا، فالسنة اتباع وليست ابتداع، وفهم صحيح منضبط بقواعد علمية لا للهوى والنفس دخل فيها.

 

  • ويفترض محظورا من موضوع القبول بتكرر النزول وهو:

((إن افتراض نزول القرآن مرتين قد أدى إلى افتراض آخر مؤداه أن نصوص القرآن التي نزلت كانت عرضة للنسيان ومن النبي ذاته، ولذلك كان يحتاج مع تجدد وقائع شبيهة أن ينزل عليه جبريل مرة أخرى مذكراً له بالنص السابق الذي أوحي إليه به من قبل.))

 

هذا خطأ واضح، والصحيح أن القرآن نزل كاملاً ثم نزل منجماً وفقاً للحوادث، وهذا أمر لم يختلف عليه المسلمون، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معصوم عن النسيان في أمور الرسالة والوحي وقد تكفل الله بتثبيت هذا القرآن في صدره دون حاجة لمجهود أو عناء منه لذلك قال له: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) وهذا سيف قاطع مشهر في وجه كل من يشك في أن الجمع أو الحفظ كانت تحوم حوله شبهة، بل إن من هم أدنى من مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم حفظة القرآن لم يكن النسيان يتسرب إلى حافظتهم، فالله جلت قدرته تكفل بحفظه حين قال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وإن من معجزات هذا القرآن أن يسره الله للحفظ والمذاكرة حتى لنجد الطفل الذى لم يبلغ الثامنة يحفظ هذا القرآن بكامله (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)

 

  • ونجده في مكان آخر من كتابه يستشهد بنصوص من السيرة النبوية ليثبت الربط بين النص والأحداث أو ما يسميه بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. والنص الذي ينقله من السيرة يتحدث عن أهل مكة الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر الأول - وذلك بتحريض من أحبار اليهود، فقال لهم رسول الله: (([أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً.]

 

إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطاً بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل النابع من الإحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. لقد كان تأخر الوحي نوعاً من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد في الغد دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه. لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهناً بإرادة محمد أو رغبته. ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء في مجال التفسير أم في مجال أسباب النزول.))

 

أما الجواب: فمع احترامنا لكتب السيرة والتاريخ فإنها غير منضبطة.

 

وإذا كنت قد تجرأت على لفظ اسم محمد مجرداً، وأن الوحي لا ينزل لرغبته فما أتفه تفكيرك حينما ترى أن الوحي ينزل في جدلية مع الواقع والأحداث، فالأحداث مخلوقة ومحمد سيد المخلوقات. وإن استطرادكم في جدلية الواقع والنصوص استطراد معلوم بدايته وهى نفي العلم الأزلي عن الله، والهدف هو فتح باب التأويل المنفلت منطلقين من الواقع، معاكسين بذلك رأي الفقهاء الذى ينطلق من الضرورة والحاجة المتفق عليها ويجدون ما ينطبق عليها من العلل في النصوص.

 

وأما ما قلته عن تأديب المصطفي صلى الله عليه وسلم وتأنيـبه، فيكفينا شهادة الحق سبحانه وتعالى به: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان خلقه القرآن وهو يفتخر إذ يقول (أدبني ربى فأحسن تأديبي) فأنت والله الذي تحتاج الى تأديب، ألا ترى أن الله عز وجل حينما كان يعاتب نبيه في القرآن كان يتلطف معه ويفتتح العتاب بالعفو والصفح عنه. ألم تسمع ماذا قال له عندما أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة -43] أم عميت بصيرتك؟ فمن أنت حتى تتكلم عن رسول الله؟ ولكن يقول الله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [الحج -32] فمن أين نأتي لكم بالتقوى وهى لا تباع ولا تشترى؟.

 

يكتشف من أول وهلة بأنه ينتهج أسلوب المستشرقين في كتاباته ونقده لمنهج وفكر الاسلام، حيث يتجه مباشرة الى مقارنة الفكر الاسلامي بالفكرين المسيحي واليهودي ويحاول إبراز طابع تخلف الفكر الاسلامي مقارنة بالفكر المسيحي واليهودي بعد أن تم تجديدهما والتخلص من هيمنة الكنيسة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت أوربا والغرب عموما خاصة بعد الثورة الفرنسية التي أدخلت المفهوم العلماني وفصلت الدين عن الدولة، وتم تهميش دور الكنيسة.

 

ومع أن الفكر الاسلامي يختلف أساسا اختلافا جوهريا عن الفكر المسيحي واليهودي خاصة لما شاب الفكرين المسيحي واليهودي من تحريف وإفراغ من محتواهما الحقيقي فإن الكاتب لم يتوان في السير في الخط الاستشراقي لنقد الفكر الاسلامي متهما إياه بالانغلاق والعقائدية والتخلف وعدم التطور والتصلب الصارم، متجاوزا تناول مسائل الاجتهاد حتى وصل إلى مسائل العقيدة والتحليل لمعنى كلمات على أسس غير عربية.

 

يتضح ذلك جليا من استخدامه كلمات ومعاني وعبارات غريبة كل الغرابة عن منهج اللغة العربية ويتغاضى عن معجزة الاسلام والقرآن أنه نزل باللغة العربية وأنه تحدى أعداءه بمحاولة الإتيان بمثله أو بجزء يسير منه، وترى في هذا الكتاب هذا الفيلسوف ينقد الاسلام بعبارات وكلمات يحاول اقحامها على اللغـة العربيـة لتوصيل الفكر والمعنى الذي يريده لقرائه من الغربيين الجاهلين بالإسلام، في حين أن أي مسلم إذا اطلع على كتبه يكتشف مدى جهله باللغة وأصول الدين، ويتضح ذلك من عبارات وكلمات مثل (الابستمويجية) والتي تعني في اللغة العربية (المعرفة)، وكلمة (الدغمائية) وكان يمكن أن يسميها (العقائدية)، و (السمانتيك) ويقصد بها (الرمزية)، و (الارثذوكسية) ويقصد بها التصلب الصارم، ولم يقف عند ذلك الحد بإضافة عبارات فرنسية وكنسية ولاتينية، بل تجاوز ذلك الى اضافة مصطلحات جديدة في اللغة مثل تسمية الاسلاميين (الاسلاماويين)، وعبارات لاتينية مثل (أوسكلاستكس) ويقصد بها (الفصلي) نسبة الى كلمة Schuol باللغة الانجليزية، وكلمة (اركلوجيا) ويقصد بها (علم الآثار والبحث العميق)، و (الفللوجيا) ويقصد بها فقه اللغة أو (فقه النصوص)، وغيرها من الكلمات والعبارات وهي غابة من المفاهيم والعبارات التي لها مرادفات عربية واضحة كان يمكن استخدامها وتقريب فهم القارئ للكتاب بصورة ميسرة وكأنه يريد إظهار العضلات باستخدام مثل هذه العبارات على حساب اللغة العربية.

التعليقات

يرجى كتابة تعليق مناسب وتذكر قوله تعالى :(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) صدق الله العظيم
اختبار التحقق
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.