استمارة البحث

Your shopping cart is empty.

نحو استراتيجية لمعالجة الفقر

صورة مقال - نحو استراتيجية لمعالجة الفقر
الكاتب: عمر عبدالله كامل - التاريخ: 20 أبريل 2019 - 1:09م

سعدت بمطالعة خبر رصد مبلغ مائة مليون ريال لرفع الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الفقر، وإن من أهم أولويات أي دولة هي معالجة الثالوث الخطر الفقر والجهل والمرض.

 

إن الفقر بالفعل يحتاج إلى استراتيجية ثم إلى خطط تفصيلية حتى تتم معالجته معالجة فعالة. فالفقر إن لم يعالج أدى إلى كو ارث بل إلى أمراض اجتماعية مزمنة قد لا يسلم منها المجتمع بأكمله.

 

وإن الظاهرة العالمية اليوم تشير إلى ازدياد رقعة الفقر بل وخط الفقر على مستوى كل دولة وهو في ازدياد مستمر، فمن يعيشون تحت خط الفقر يمثلون الغالبية العظمى من المجتمعات وخصوصا في المجتمعات التي تنمو بمعدلات كبيرة بالإضافة إلى ازدياد متطلبات الحياة المعيشية في الزمن الحالي بدخول روافد الحضارة الحالية ومنتجاتها التي تضع عبئاً إضافياً على رب الأسرة سواء كان من رسوم خدمات الكهرباء والمياه والتلفونات وغيرها أو الخدمات الأساسية مثل العلاج الطبي والمواصلات وغيرها.

 

حينما نتكلم عن هذا الموضوع يتبادر إلى الذهن أنه لا تكاد تخلو مدينة من المدن في العالم ونحن منها إلا يوجد دائما أو على الأغلب في جنوبها أحياء عشوائية أو أحياء فقيرة.

 

ولو حاولنا تعريف الفقر: فمن هو الفقير؟ هل هو الذي لا يملك قوت يومه؟ أم هو الذي لا يملك الكفاية؟ فهنالك فرق بين حد الكفاية وحد الكفاف؟

 

الكفاف: هو من يملك جزءاً من المال لكنه لا يكفيه.

 

وأما حد الكفاية: فهو من يملك الحد الذي يكفيه فقط، بمعنى أن كل ما يأتي: في الجيب يصرف، وليس هنالك أي معامل للادخار.

 

إن خطورة الفقر وآثاره المدمرة على النفس البشرية تمتد لتشمل المجتمع وذلك لما يخلفه من آثار داخل المجتمع وداخل نفسية الإنسان.

 

لقد غفلنا عن العمل الجماعي زمنا طويلا، ولو عدنا إلى التاريخ لو جدنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دوّن الدواوين في ذلك الزمان الذي لم يكن فيه العدد الكافي من الكتاب، ومع ذلك دوّن الدواوين وحصر الاسماء وقيدها.

 

واليوم في هذا العصر الذي انتشرت فيه الأجهزة الحاسبة وتقنيات العلم لم نستطع أن ندون أسماء الفقراء. إن العمل المشتت بين جمعيات مختلفة وأجهزة حكومية قد يؤدي إلى ازدواجية في الصرف فإن من أولى الأولويات التي يجب أن تتم هي حصر الفقراء واحتياجاتهم ومصاريفهم ثم برمجتها في مركز معلومات مركزي تشرف عليه وزارة الشئون الاجتماعية ويتم التنسيق بين ما تصرفه هذه الجمعيات وبين ما يصرفه الضمان الاجتماعي والبرامج الحكومية الأخرى لتوحيد الجهود وضمان عدم تكرارها.

 

وهناك نقطة اخرى وهي خطيرة ومهمة جدا هي: قد طال أمد إهمال البوادي والأرياف، فهنالك حالات مأساوية، ولنقولها بصراحة: إننا نتحمل جميعنا هذه المسئولية لأننا لم نعط هذه الفئة حقها من العناية، وأغلب الجمعيات الخيرية أنشئت لخدمة أبناء المدن وقليل منها في البوادي والأرياف مع أن الحاجة الماسة لها في تلك المناطق.

 

لقد سعدت بهذا الخبر وبهذه الاستراتيجية ويجب أن تتضافر العقول جميعا لاستخراج أفكار جديدة تلائم عصرنا وتداوي جراح أبنائنا من الفقراء فهم جزء عزيز من المجتمع يجب ألا نغفله ولا نهمله والا ارتدت آثاره المدمرة على المجتمع بأسره، وأول ما تدمر القيم والأخلاق التي بدونها لا تصلح الحياة.

 

علينا أن نفكر جميعا في الأعمال الخيرية والأعمال التعاونية وأن نشرّع بعض الأنظمة الجديدة التي تحفز المواطنين على الأعمال الخيرية.

 

إن تردي الأحوال المادية وازدياد الضغوط المالية تجعلنا نفكر في وسائل جديدة تضمن دخلا دائما لهذه الفئة. أفكار جديدة تشابه نظرية الوقف الإسلامي قديما، حيث تخصص مبالغ وصناديق استثمارية ريعها بالكامل يعود لهذه المهمة ولعلي أحاول أن أنقل بعض الأفكار التي راودتني منذ أكثر من سبع سنوات حول هذه المشكلة بالذات وسبق وأن تطرقت إليها: فمثلا حاولت أن أستنبط حد الكفاف من داخل الفقه الإسلامي، فربطت حد الكفاف بنصاب الزكاة وخصوصا في الأغنام وهو أربعون شاة، والأربعون بمتوسط سعر اليوم خمسمائة ريال، فإذاً حد الكفاف هو عشرون ألف ريال سنوياً. فإن من لا يملك عشرين ألف ريال سنويا فهو يعيش في حد الكفاف أو يعاني مشكلة مالية علينا أن نسد خلله وحاجته حتى يبلغ هذا الحد الأدنى الذي لا يمكن أن نتصور أن يعيش الإنسان في أي مدينة من مدننا تحت هذا الحد. بل حتى هذا المبلغ قد لا يكون كافيا لأن متطلبات العصر الحديث ومنها السكن والمواصلات والعلاج والتدريس وغير ذلك تتطلب من الشخص أكثر من ألف وثمانمائة ريال شهريا.

 

إن الشاب الذي يحصل على ثلاثة آلاف ريال شهريا نجد أنه من الصعب عليه أن يتزوج أو يدفع إيجار سكن، فإذاً الحلول يجب ان تكون ذات شقين:

 

شق سريع وفوري وشق طويل المدى:

 

- اما الشق السريع والفوري: فيتمثل في محاولة سد خلل هذه الفئة من الناس ويكون ذلك بتكوين أو إنشاء صندوق للتكافل الاجتماعي داخل المملكة وتكون روافده أول ما تكون من نصيب الزكاة الذي يجبى من الشركات العاملة بما فيها الشركات الحكومية وعلى رأسها شركة أرامكو وشركة سابك، فعليها أن تدفع اثنان ونصف في المائة لهذا الصندوق قبل أي توزيعات للدولة فإن سد حاجة الفقراء أمر مقدس يجب أن يوضع نصب أعيننا جميعا على أن ينظم هذا الصندوق تنظيما راقيا من حيث الجباية ومن حيث الصرف.

 

- فمن حيث الجباية: يجب ألا تزيد تكاليف الجباية عن الثُمن وهو نصيب العاملين عليه وإلا كان هنالك خلل إداري وأكل الموظفون هذه الإيرادات.

 

- ثانيا: يجب العمل الجدي والفوري على تكون فرق لحصر الحالات الفقيرة على مستوى كل مدينة وقرية وريف وتحديد حاجاتهم وعدد أفراد الأسرة والسن واحتياجات كل سن ثم تحدد المصاريف التي يحتاجونها.

 

فإذا لم تف واردات هذا الصندوق علينا أن نفكر في موارد إضافية أخرى فمثلا يخصص جزء من دخل البترول وليكن على الأقل 5 % إيرادا لهذا الصندوق وأيضا 1. % مما تملكه الدولة في سابك و 1. % مما تملكه الدولة في جميع المشاريع التجارية سواء مساهمتها في البنوك أو المصانع أو خلافه.

 

وإن لم تكف بعد ذلك نضع رسوماً إضافية على الواردات الكمالية والرفاهية يخصص ريعها لهذا الصندوق.

 

أما طريقة عمل الصندوق فيجب أن تقوم بها الجمعيات الخيرية بالتعاون مع الضمان الاجتماعي ووزارة الشئون الاجتماعية بحيث توضع هيئة عليا للتكافل الاجتماعي تكون ممثلة فيها جميع الجمعيات الخيرية وتقدم كل جمعية ما لديها من أسماء وتحدد النفقات وفقا لكل حاجة ثم توضع في قاعدة معلومات عريضة يتم الصرف بموجبها وتعطى بطاقات وأرقام للأشخاص حتى لا تتكرر المصاريف مرة أخرى.

 

علينا أن ننمي في نفس الوقت وازع الإنفاق على الفقراء سواء في البرامج الإعلامية في الصحف أو التلفاز أو غيرها من وسائل الإعلام المختلفة حتى يستشعر المواطن بمسئوليته تجاه هذه الطبقات التي هي من أوائل الاهتمامات الاقتصادية الإسلامية.

 

علينا أن نشعرهم بأن الفقه اساسا هو أن تصرف زكوات البلد لأهله أولا ثم تنقل إلى خارج هذا الوطن فل ا يجوز انتقالها من البلد إلا في حالة الكفاية أي بعد أن نكفي فقراءنا ننتقل إلى الآخرين، هكذا كان أسلوب الجباية في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. وأعجب كل العجب لمن يقوم بمشروعات خيرية ويدعم جامعات خارجية ويدعم مشاريع خارجية قبل أن يبدأ بداره، فالقاعدة الأساسية ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ثم الأدنى ثم الأدنى فل ا يجوز أن نتخطى الأدنى إلى الذي بعده إلا بعد أن نكفي حاجة الأول. وهذه قاعدة ذهبية ليتنا نتمسك بها.

 

هذا من جانب المساعدات الفورية أما الخطة طويلة المدى: فيجب أن نبحث عن أسلوب نشجع به إيجاد وظائف جديدة تستوعب هذه الأعداد وهذا يحتاج إلى عملية تدريب شاملة ونستلهم هذا الأمر من حديث (الفأس) ذلك الفقير الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكى له الفقر فقال له: (ما تملك)؟ فو جد عنده بعض الشيء فباعه واشترى له به الفأس وأمره بالاحتطاب. وبعد أسبوعين أتاه وقد كفي من الفقر.

 

نحن إذاً نريد أن نملك هؤلاء الأشخاص هذا الفأس العصري، الفأس العصري هو تدريبهم وتعليمهم وجعلهم مهيئين لممارسة العمل الفعال المنتج داخل المجتمع وبالتالي يصبح عضواً فاعلاً، وعضواً منتجاً للزكاة، عضواً يكفينا على الأقل نفسه.

 

كفانا تبذيرا، كفانا إسرافا. إن من يراقب نفاياتنا اليوم يجد أن أغلبها كميات هائلة من الطعام في الوقت الذي يحتاجه الآخر، ويجد سرعة تبديل الملابس في الوقت الذي يحتاجها الآخر. كيف نسينا قيمنا؟ كيف غفلنا عن أنفسنا؟ كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ كيف دخلت علينا عادات استهلاكية غريبة وعجيبة جعلتنا نبذر ولا نفكر؟! علينا أن نعود إلى عادات الإسلام والتمسك بتعاليم ديننا بو قف التبذير والإسراف فك لما هو فائض من حاجتي من الطعام يجب أن لا أوجهه إلى الزبالة يجب أن أدخره. فل وجرّب كل منا ادخار 1. % من مصاريف غذائه وملابسه أو وجهها لهذا الصندوق الوطني لكانت خيراً ثم خيرا ثم خيرا لنا من أن نطهوها ثم نلقيها في النفايات.

 

يجب أن تتضافر أولا العقول في طرح الأفكار الجديدة والمستنيرة والحديثة ويستعين بها هؤلاء الخبراء الذين سوف يضعون الخطة الاستراتيجية لمعالجة الفقر، وإنني أستحسن من جميع الكتاب والمفكرين أن يدلوا بدلوهم في هذا الأمر الذي يجب أن نتعاون فيه جميعا وأن نضع فيه الأفكار بل ونطرح فيه المشاكل حتى نجد الأفكار الملائمة والحلول الملائمة في مختلف الجوانب.

 

وبمعنى آخر نحن بحاجة إلى ترشيد إنفاقنا على المستويين الحكومي والشخصي علينا أن نرشد إنفاقنا حتى نحصل على مدخرات ووفورات نوجهها لأبنائنا ولشعبنا ولأمتنا فنحن كالبنيان يجب أن يشعر بعضنا بآلام الآخرين. يجب أن نكون بل سما لجراح البعض فنحن مأمورون بالتعاون على البر والتقوى ونحن مأمورون أن نكون كالبنيان الواحد وكالصف المرصوص، آلامنا واحدة، وأفراحنا واحدة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا فك ر كل منا في مصلحة الآخر وسعادته.

 

نريد مجتمعا يسوده الوئام وتسوده المحبة ليس فيه ضغائن ولا أمراض اجتماعية عديدة.

 

إن نذر الأمراض الاجتماعية بدأت تظهر ولو كشفت الإحصائية لأظهرت لنا ما تشيب له الرؤوس، حدث كل هذا في غفلة منا. فيجب أن ننتبه منها فقد آن الأوان لأن ننتبه، آن الأوان لأن نستيقظ، آن الأوان لأن نمد أيدينا جميعا لهذا المشروع الوطني الجديد بك ل التقدير والاحترام وبكل حب وجزى الله من فك ر في هذه الاستراتيجية وجزى الله من أمر بها ومن أصدرها في مرسوم سامي.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعا على قدر وعلى مستوى هذه المسئولية التي يجب أن نتحملها فإن لم نتحملها فل ابد أن نقع في شر خطير.

 

فالله سبحانه وتعالى امتن على قريش إذ قال (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) فالإطعام من الجوع هو سبيل الأمن من الخوف.

 

والمخاوف كثيرة وفي زمننا كثيرة ومستطيرة وعلينا أن نعمل على مجابهة الفقر وحاربته والله ولي التوفيق.

التعليقات

يرجى كتابة تعليق مناسب وتذكر قوله تعالى :(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) صدق الله العظيم
اختبار التحقق
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.