Search form

Your shopping cart is empty.

رد على أبي زيد | المقالة الخامسة - الجزء الثاني

صورة مقال - رد على أبي زيد | المقالة الخامسة
Submitted by عمر عبدالله كامل on 20 April 2019 - 12:29pm
  • مقالات

ان منهج هذا الفيلسوف وهو أستاذ في جامعة السربون منهج لا يختلف كما أشرت عن مناهج الفلاسفة المستشرقين وقام بدراسة التاريخ العربي والاسلامي من مفهوم الفلاسفة المستشرقين وهو يكتب باللغة الفرنسية ويترجم كتبه إلى اللغة العربية وإذا عرف السبب بطل العجب حيث أن الذي لا يفكر من داخل الإطار الثقافي للغة لا يستطيع أن يتعايش معه، وجل أخطائه تنطلق من كتابه من الاجتهاد إلى التعدي على العقل والفكر الاسلامي، ودخل في ورطة معرفية (في كتابه من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي) اتهم فيها جميع العرب والمسلمين ابتداء من سيدنا عمر بن الخطاب الى الصحابة الى التابعين الى الفقهاء بالتآمر على التشريع الاسلامي، واستشهد في ذلك بمسألة الكلالة في علم الميراث، ويرى بأن هذه المسألة تحاشوا تفسيرها باعتبار أنها كانت ستقلب علم الميراث رأسا على عقب حيث يفسر الكلالة بأنها (الكنة) موضحا جهله الفاضح باللغة وبالفقه على السواء وموجها نقده لموضع فهمه فيه قاصر كل القصور.

 

والكلالة كما هو وارد في كتب الفقه والتفسير والمعاجم مشتقة من الاكليل وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه والمراد فقها من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، أي هو الشخص الذي لا ولد له ولا والد عند الوفاة، وكلمة كلالة بمعناها هذا البعيد عن المعنى الذى رمى اليه الكاتب لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر.

 

هذا الكاتب بتفسيره المخل لمعنى الكلالة ولفهمه القاصر بالفقه اتهم كل هذه الأجيال بالتآمر على نظام الإرث الاسلامي، وأورد كثيرا من التفاسير والنماذج والتي يرى أنها تخالفه وفقا لمفهومه واستند على الخلاف في الاجتهاد بين الفقهاء في حين أنه معلوم أن الخلاف في الأمة رحمة وأن الدين الاسلامي يعطي حرية البحث والتفكير لتفسير النصوص بشرط توافر شروط الفقيه العالم في المفسر، في حين أننا نجده شخصا عاجزا حتى عن التعبير باللغة الصحيحة، ويقحم نفسه بالتعدي على أعلام الأمة.

 

وتناول أيضا بالهجوم (الطبري) بأنه أهمل ثلاثة عشر خبرا في التفسير للكلمة وذلك بناء على بحث رجل أمريكي ويتهم الطبري بأنه يحرص على تثبيت التفسير على خط واحد لأنه يلتزم بالمعاني التي يتبناها أهل الاسلام أو أهل القبلة، ويرى أن هذا الأسلوب هو الذي ثبت (الأرثوذكسية) أي العصبية الاسلامية بإيراده آراء الخوارج وغيرهم ويتابع منهج المستشرقين أمثال "جولد زيهر وجوزيف شاخت وجون بال..." الذين تخصصوا في نقد التراث الاسلامي، ويعتقد الكاتب أن إهمال منهاجهم سببه أن هنالك ثمنا كبيرا دفع على حساب المعنى، ويورد الروايات ذات الصلة بمسألة الكلالة بتفصيل ويخرج بنتيجة أن مسألة الكلالة سكت عنه لكونها أن الكنة سوف تخرج الأموال من عائلة الى عائلة وتحدث خللا في نظام الإرث العربي لصالح الإرث الاسلامي، وهذا هو سر المقاومة والمعارضة التي منعت سيدنا عمر بن الخطاب أي الشخصية الأساسية التي ركزت عليها الروايات من الكشف عن معناها الحقيقي.

 

ويخرج من هذا المسألة الى موضوع الوصية في الاسلام، وأنها قيدت معنى (الوصية الحرة في القرآن وبأن الفقهاء طبقوا عليها شروطها) وسبب هذا الأمر أن هذا الكاتب لا يعلم المطلق والمخصص والقيد على الكلام، ومسألة تخصيص العموم بالحديث أمر شرعي فكأنه ينكر على الفقهاء الاستنباط والربط بين الأحكام، ويحاول اللعب.

 

إنني أعتقد أن الكاتب قصد قصدا في إدخال عبارات غريبة وإعطاء معان لا أساس لها في الدراسة تأكيدا لمنهجه في علمنة اللغة العربية وإخراجها من معانيها التي يسميها كلاسيكية لمعاني جديدة حتى يختلف فهم الغرب للإسلام مدعيا تحرير العقل العربي من المعاني والأطر القديمة التي تم وضعه فيها، وهو جهل فاضح بعلم أصول الفقه الذي لو درى به لعلم أن الأمر ليس متروكا على عواهنه، فللفهم ضوابط ودلالات للألفاظ جمعت في علم أصول الفقه لا يهمنا أن يجيزها الغرب أم لا فنحن أصل العربية ولنا قواعدنا في الفهم ولا يعني انكسارنا تكنولوجيا انكسارنا لغويا ودلاليا.

 

بل يدعي في الصفحة الحادية عشرة: أن الفقهاء لم يكتفوا بــإقامة السياج الدغمائي على النواميس المقدسة، بل على التقاليد العتيقة السابقة للإسلام.

 

ان كثيرا من العلمانيين اليوم يحاولون أن يثبتوا أن كثيرا من التشريعات الاسلامية كانت قبل الاسلام مثل الحج والصيام وغيرها رغبة منهم في أن يقولوا أن هذه من عادات العرب فتخرج من الدين وبالتالي تهدم أركان الاسلام كما فعلت بعض الفرق الدينية كالدروز والنصيرية، وكما قالت بعض الفئات أن المقصود من العبادات هو تنمية الأخلاق، فاذا حصلت تلغى هذه العبادات.

 

وتحت عنوان الخروج من السياج الدغمائي المغلق يقارن بين السياج الدغمائي في أوروبا الذي تفتت وانهار من القرن السادس عشر بفضل الصعود المتناهي للحداثة، وأنه فصل الدين عن السياسة والقانون بالرغم من رفض الكنيسة لسيطرتها على كل ذرى الوجود البشري وأبعاده بما فيها الخلاص الأبدي. كأن هذا الرجل لا يعلم أن الأمر وصل بالكنيسة الى حــد اصدار صكوك الغفران واقطاع أراض بالجنة، ليس هذا فحسب بل أعطوا القساوسة حق المغفرة للناس. إذا كان الأنبياء لا يملكون ذلك فكيف جاؤوا بهذا؟ بل وصل الأمر بالكنيسة أن تمنع تدريس العلوم الطبيعية المحايدة، وتكفر دارسيها، ووصلت الى حد استغلال أقوات الناس وتملك الاقطاعيات وغير ذلك من الأمور التي لم ينزل الله بها من سلطان، ثم يرى أن الطبقة المثقفة (البرجوازية) التي ينبغي أن تقوم بهذا الدور لم تتكون في التاريخ الاسلامي حتى تثور على السياج الدغمائي الاسلامي.

 

لذلك يرى أن العلماء والفقهاء زادوا من سيطرة السلطات العسكرية والتسلطية، وأنهم لم يستطيعوا الحصول على استقلالية في الرأي بعيدا عن السلطة السياسية.

 

فأقول له ماذا فعل ابن حنبل والشافعي وأبي حنيفة والمالكي وغيرهم من العلماء على مختلف العصور، هل أطاعوا المخلوق في معصية الخالق؟ وهل حذفوا أو حرفوا هذا المبدأ؟ لم يحدث هذا حتى ان أكبر حاكم سياسي اليوم في الدول الاسلامية لا يستطيع أن يعارض معارضة صريحة نصا ثابتا. ذلك أن المجتمع بأسره لا يقبل هذا الأمر، وليس فقط العلماء.

 

ثم أين التسلط الديني الذي شابه التسلط الكنيسي؟ فهل ادعوا حق الغفران أو العصمة أو أكلوا أموال الناس بالباطل وقننوا أكلها كما فعلت الكنيسة؟ هل وقفوا في وجه حرية العلم المحايد؟

 

فالمقارنة لا محل لها. ويعقد الأمل على المثقفين في انتزاع سلطة العلماء التقليديين وذكر كثيرا من الرموز التي حاولت هذا مثل طه حسين وعلي عبدالرازق وأن هذه المحاولات لم تكن بقدر حجم المهمة التاريخية التي ينبغي أن يقوموا بها، ثم ينكر على بعض المثقفين التنديد بالإمبريالية والصهيونية وكرد فعل راحوا يتغنون بالتراث فلا أدري هل كان المفروض أن يتغنوا بالصهيونية والامبريالية أم ماذا؟.

 

ثم يرى أن للسياج الدغمائي أركانا ثلاثة: الله، والدولة، والجنس. وأنها بقيت بمنأى عن أي تفحص نقدي جاد فلا أدري ماذا يقصد بنقد الله؟ ويرى أن الفكر النقدي أصيب بانتكاسة وأن الدنيوية (والتي يسمونها العلمنة خطأ) بدأت تفقد مواقعها كلها ازاء التعريب واكتساح مواقع جديدة هذا مما دعا بعض الدول لا عادة التعليم باللغة الفرنسية، وكأن الاسلام يحرم دراسة اللغات الأخرى، وكأن اللغة العربية سياج مانع من التفكير ومن التطور، فهل لابد أن ندرس ديننا على يــد المستشرقين حتى نتطور؟ هل اكتشاف الدين عندما يتسع التعريب وتتفق أذهان الناس على الحقائق الدينية هو الأمر المرهوب اليوم؟ هل يفسر لنا هذا الاتجاه نحو تعميم العامية وادخال المصطلحات الغربية مثل الدغمائية والسيمانتيك وغيرها؟ لعله اتجاه جديد لتدمير اللغة وابعاد أهلها عن الفهم الصحيح. وهل العلم يتناقض مع اللغة العربية والفقه؟، فكيف بنيت حضارة سابقة؟ أم أنه مكتوب علينا اليوم أن نتبعهم حتى في أديانهم مع أن حاجتنا مقصورة فقط على التكنولوجيا، وليس على عقائد معينة ولا على عاداتهم، فهذه الأسباب لا تخلصنا من التخلف، وتخلفنا يتلخص في ضعف همتنا، فكيف ننحي باللائمة على ديننا وعلمائنا؟ والعيب فينا.

 

ثم يشير في الصفحة التاسعة عشرة: أنه لابد من زحزحة العقائد الراسخة والمسلم بها، فلا أدري ماهي العقائد التي يرى أن نزحزحها؟ هل هي أركان الايمان، أم أركان الاسلام، أم العبادات، أم المعاملات؟ خصوصا أنه ألمح في ذات الصفحة الى أنه يجب دراسة تشكيل القرآن الكريم وتشكيل الشريعة والوحي، ثم ادعى أن الكتابات المقدسة محرفة، ثم التعالي على (قدسية الآيات في القرآن)، ثم مشكلة خلق القرآن فمخلوق هو أم معاد خلقه، وحقوق المرأة وتربية الطفل: ويعيب على الفكر الاسلامي المتعصب عدم خوضه في هذه المسائل، فلا أدري ماذا يقصد بتشكيل القرآن وقدسية القرآن؟ وهل القرآن مخلوق أم معاد خلقه؟ كأنه لم يكفنا مصيبة المعتزلة في خلق القرآن، وهذا يأتينا بمصطلح جديد إعادة خلق القرآن وهذه أمور قد انتهت منذ زمن طويل فإذا كان يقصد بـإعادة خلق القرآن (على أحسن فروض احسان الظن به) إعادة فهم القرآن فنحن لا نعيد فهم القرآن ولكن نفهم واقعنا وضرورياتنا وحاجياتنا ثم ننظر أين تقع من الأحكام الشرعية، فالقرآن مفهوم ومن يقول غير ذلك فهو مخطئ.

 

ولكنني أحذر الأمة الاسلامية والمثقفين من أن الاعتزال بدأ يخرج رأسه على أيدي هؤلاء الفلاسفة والعلمانيين، وأن عبارة العقل (في الواقع تعني الهوى فالعقل لا ينافس الشرع فالعقل عرف الله ورسوله وبالتالي يقتضي الطاعة ولكن ما يسمونه عقلا هو الهوى) قد بدأت تعود، فهؤلاء الأقوام يسيرون بخطى منظمة، هاجموا الفقهاء أول الأمر ثم رواة الأحاديث، واليوم بلغ بهم الأمر الى مهاجمة القرآن ذاته.

 

ومن مظاهر الخلط التي وقع فيها الكاتب والتي يروم من خلالها ترويج الأفكار العلمانية والماسونية تناوله لمعنى كلمتي اسلام ومسلم، اذ يرى أن ترجمة معنى كلمة اسلام الى

 

الفرنسية بمعنى الخضوع أو حتى بمعنى الاستسلام، ويرى أن هذا المعنى ليس صحيحا لأن المؤمن ليس مستسلما أمام الله وانما يشعر بلهفة الحب نحو الله، لأن الله يرفع الانسان اليه بواسطة الوحي ويثير هذا شعور الاعتراف بالجميل تجاه الخالق، وبذا يعتبر العلاقة (علاقة طاعة وعشق واعتراف بالجميل) إن مفهوم العرفان بالجميل يوهم التساوي بين الانسان والله، وعقيدة المسلم أنه عبد لله وليس له من حق على الله بل محض فضل من الله سبحانه وتعالى.

 

ويرى أن معنى الاسلام الأصلي هو تسليم شيء ما لشخص ما، وتعني "أن يسلم المرء ذاته بكليتها لله" أو "ايكال كل ذاته لله" هذا تفسيره للاستسلام ثم ينطلق لتفسير يراه هو "تحدى الموت" أي التضحية بالنفس في معركة من أجل الله..

 

ويواصل تعريفه في "أن الكلمة أي كلمة اسلام قد ابتدأت منذ اللحظة التي بدأ فيها القرآن يتلقى بعض التحديات والمضامين الشعائرية والتشريعية والمعنوية السيمانتية التي راح الفقهاء يفخمونها ويكثفونها ويصوغونها على هيئة تركيبة عقائدية من الإيمان / واللا إيمان وهذه التركيبة المبلورة على هذا النحو سوف تصبح فيما بعد الدين الاسلامي المدعو بالإسلام أيضا، والفرق بين اسلام ابراهيم الذي أعيد تثبيته من قبل التجربة الدينية لمحمد وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين".

 

لذا ترى الكاتب يعرف كلمة الاسلام تارة طاعة وعشق وتارة تحدي الموت (وتارة مدين).

 

فهذه السطحية الشديدة والواضحة التي يتعامل فيها مع مفردات اللغات ومعاني كلمات القرآن، ولا يدري أن معجزة الاسلام والقرآن هي اللغة حيث تحدى الله سبحانه وتعالى أهله بها فما بال مثل هذا الكاتب ذي الأغراض والأهواء الذي يستخدم عبارات ما أنزل بها الله من سلطان، ويود في نفس الوقت أن يعرف ويفسر القرآن ويخوض في معالجات فلسفية مختلفة ليثبت عدم صحة الترجمة بل عدم صحة المعنى - ويحاول الكاتب في سياق المعنى الذى سار فيه - في تعريف كلمة الاسلام أن يغوص في المعنى ليفرق بين اسلام سيدنا ابراهيم وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين وبين مصطلح أم الكتاب أي الكتاب السماوي، والنموذج الذي يحتوي عليه كلام الله ثم مصطلح الكتاب، القرآن، الذكر، الفرقان، أي الكتاب المتجسد والكلام المنقول عن طريق الوحي، ليصل الى ما يصبو اليه في ربط هذه المعاني ومقارنته بنفس الترتيب والتمييز بالديانات الأخرى أعني المسيحية واليهودية حيث يوضح أن المسيح هو كلمة الله المجسدة وأن الانجيل هو الكتاب الذي يعمل به المسيحيون وهنا يفتح بابا خبيثا جدا فاذا كان القرآن منزلا وهو غير مخلوق في مفهوم أهل السنة وفي نفس الوقت عيسى عليه السلام كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء يحاول أن يقود ذهن القارئ إلى إثبات جانب ألوهي لعيسى عليه السلام كما فعلت بعض الفرق الضالة سابقا، مع أن الله ضرب لنا مثلا بخلق آدم عليه السلام منعا لهذا التأويل فيكون معنى كلمة الله هو مخلوق بكن فيكون.

 

ويلح ويشدد على هذا التمييز والمقارنة مدعيا أنه يفعل ذلك من أجل تجاوز المماحكات "هكذا يسميها" الجدلية العقيمة بين الأديان الثلاثة - والمتمعن والمتعمق في مثل هذا الجدل الفلسفي العقيم في أمر يتصل بالعقيدة لابد وأن يفطن الى ما يرمي اليه الكاتب في افترائه على الاسلام ولمقارنته بالأناجيل المحرفة والمنسوخة ولكي يلج بنا الى مجاهل القول المردود بتوحيد الأديان المبدأ الماسوني المعروف والذي يقوله العلمانيون في هذا الزمان.

 

لقد وصل الحال بهذا الكاتب في تحليله وعماه وضلاله بأنه لا يرى فارقا بين اليهودية والمسيحية والاسلام حينما يقول "ويمكن أن نقيم التمييز نفسه بين المسيح كلمة الله المجسدة وبين الأناجيل أي الحكايات المحفوظة في كتب عادية محسوسة لكلام الله من قبل المسيحيين الذين هم مؤمنون وفاعلون تاريخيون في آن معا".

 

- ومن جديد يعود ليؤكد أن أديان التوحيد ثلاثة متغاضياً عن مسألة التثليث أو الثالوث المقدس عند المسيحيين، فيقول: ((أما مسألة الوحى فهي دقيقة جداً وحرجة، خصوصاً لمن يريد دراستها، ضمن المنظور الواسع الذى يتجاوز التعاليم الأرثوذكسية ويجددها، هذه التعاليم المكررة داخل كل تراث توحيدي بشكل تقوى ورع "المقصود داخل التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي".))

 

  • وفي نفس الصفحة أورد عبارة الهبوط من فوق الى تحت فقال: ( لكن لنذكر هنا، بالتصور الإسلامي للوحى. إنه يدعى بالتنزيل: أي الهبوط من فوق الى تحت. وهذا المفهوم يشكل مجازاً مركزياً وأساسياً يشكل النظرة العمودية للإنسان المدعو بدوره للارتفاع الى الله)

 

أليس هذا نفس المفهوم الذي وجددناه عند "نصر حامد أبوزيد" في حديثه عن الديالكتيك الصاعد والديالكتيك الهابط؟ ألا ترى أن هؤلاء أهدافهم متطابقة ويسيرون وفق خطة مدروسة؟

 

- وتأتى أم الطوام في عبارته التالية: ((فإن المسيحيين يعتمدون موقفاً مختلفاً قطعياً بالقياس الى الموقف اليهودي -الإسلامي " الله يوحى للبشر إراداته المقدسة، فهم يقولون إن يسوع المسيح هو كلمة الله تجلت جسداً. إنه تجسيد الله، وابن الله الذي جاء للسكن بين البشر لكي يوصل إليهم مباشرة الكلمة الإلهية دون أي وساطة من ملاك أو نبي.

 

وضمن هذا التصور المسيحي نجد أن الأناجيل ليست إلا عبارة عن رواية ما سمعه الحواريون أو تذكروه من تعاليم ابن الله الذي تكلم باسم الأب " أي الله ".))

 

فهو يعتبر أن تجسد الكلمة في سيدنا عيسى (تجسيد الإله وابن الإله)، وأن الحواريين كتبوا الأناجيل عن ابن الله الذي تكلم عن أبيه، فهذا هو الوحي في المسيحية والذي يقارنه الكاتب مع الوحي في الإسلام فتأمــل!!!

 

إن سر خطأ هؤلاء هو في تفسير كلمة (الله) وكما سبق أن قلنا: إن السر هو في كلمة (كن) إذ يقول عز وجل (إنما أمره إذ أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يس -82] وقوله جل شأنه (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون). [آل عمران -59].

 

ويأتي بعد كل هذا ليخلع عليهم صفة التوحيد من جديد، رغم مفهومهم عن نزول عيسى الى الأرض على أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إداً. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.) [مريم -88].

 

  • ومروراً بما قاله في الصفحة التالية عن عدم وجود نظرية متكاملة عن المجاز: ((دعونا هنا من الصعوبة الشائكة والمخيفة التي تطرحها مسألة التثليث، التي لا يمكن إعادة النظر فيها بشكل مفيد من قبل المسيحيين واليهود والمسلمين، إلا إذا اتفقنا على المكانة المعنوية للمجاز والرمز ودورهما في تشكيل المعنى، فنحن لا نمتلك حتى الآن نظرية متكاملة عن المجاز والرمز تتيح لنا أن نفهم المنشأ اللغوي البحت للمعنى وللمكانة الفلسفية للمعنى المتولد بهذه الطريقة.))

 

هل مسألة التثليث عندهم يمكن أن نعتبرها من المجاز؟ مع أن الأناجيل عندهم لا تدعى أنها مجاز، فهي تدعى أن عيسى صعد وجلس الى جانب الله. فلماذا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل؟!

 

  • ثم نجده يشير في نفس الصفحة الى أن القرآن قد استعار آية توراتية فيقول: ((أنظر الآية التوراتية التي استعارها القرآن كما هي " وعلم آدم الأسماء كلها " والتي دُعمت على المستوى اللغوي من قبل كل الفللوجيا الكلاسيكية.))

 

إن التوراة مازالت تحتوي على بعض الحقائق، فلعلها مما لم يطمس ويحرف في التوراة. كما أن الاستعارة تكون من شخص لآخر، ولكن الأمر هنا يختلف فالتوراة والقرآن كلاهما صادران عن أصل واحد وهو الله، فأي استعارة هذه التي تعتقد بها؟ بل وأضف الى معلوماتك قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) [النحل -30] فسواء تطابقت الألفاظ أو تطابق المعنى بين الكتب الثلاث (فيما لم يحرف منها) فهذا أمر بديهي لأن الرسل جميعهم أرسلوا بمبادئ واحدة وحقائق لا تتغير.

 

  • ثم يعود الى الطامة التي ألمحنا إليها في البداية محاولاً بث التشكيك في أن مرور الوحى من الحالة الشفهية الى النص المكتوب كان في ظروف تاريخية يجب التحقق منها، يقول: ((إن الرسالات المنقولة، عبارة عن عبارات شفهية سمعت وحفظت عن ظهر قلب من قبل الحواريين الذين مارسوا دورهم فيما بعد كشهود ناقلين لما سمعوه ورأوه. وفي كل الأحوال فإنه قد حصل مرور من الحالة الشفهية الى حالة النص المكتوب. كما وحصل تثبيت بواسطة الكتابة للرسالة التي تم جمعها ضمن ظروف تاريخية ينبغي أن تتعرض للنقد التاريخي والضبط التاريخي والتحقق التاريخي.))

 

هل نعلق ديننا بتحقق كهذا أو بغيره؟ إن تواتر القرآن أمر مجمع عليه، بل لا يوجد شيء في الدنيا تواتر كتواتر القرآن لفظاً وكتابة وجمعاً، وإذا شئت فلتراجع الكتب التي تحدثت عن الإعجاز العددي في القرآن لترى هل بمقدور أحد من البشر على الإتيان بآية من مثله.

 

  • بل إنه يصر على التفريق بين المصحف والقرآن، لأن المصحف بنظره والذي نمسكه بأيدينا، يقابل الأناجيل والتوراة بالضبط اذ يقول:

 

((وهكذا تشكلت النصوص الكبرى: التوراة والأناجيل والمصحف ‎. قلت المصحف ولم أقل القرآن لأنه يدل على الشيء المادي الذي نمسكه بين أيدينا يومياً ولأنه يقابل التوراة والأناجيل بالضبط.))

 

أي سخف بعد هذا؟ أين علوم ضبط التوراة؟ وأين علوم ضبط الأناجيل؟ أمام العلم المنضبط لعلوم القرآن، أي مقابلة هذه؟ فالتناقضات الموجودة في كتبهم تخلع أية صفة علمية عنهم، فأرنا تناقضاً واحداً في المصحف، بل وأرنا اختلاف نسخة واحدة عن الأخرى.

 

  • وبعد سفسطة طويلة يصل الى الغاية التي يسعى اليها جميع العلمانيين وهي تجدد الوحي، وإيجاد مفاهيم جديدة للوحى ومعان جديدة له، وذلك كلما ظهرت لغة جديدة وهكذا تصبح المعايير مختلة بين الناس في الزمن الواحد أو في الأزمنة المتعاقبة، يقول: ((فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل التجارب الحاصلة في مجتمعات الكتاب المقدس والكتب المتفرعة عنه، فإنه يمكننا القول بوجود وحي في كل مرة تظهر فيها لغة جديدة وتجيء لكي تعدل جذرياً من نظرة الإنسان عن وضعه.))

 

وأقول: إن هؤلاء الناس لو تعلموا شيئاً من أصول الفقه لأراحوا واستراحوا، فنحن لا نجدد تفسير القرآن، وإنما نقرأ ضرورياتنا وحاجاتنا ونبحث عن عللها ونرى انطباق النصوص الأصلية عليها فالواقع لا يزيد فهمنا لنصوص القرآن.

 

- وتظهر الماسونية واضحة جلية في قوله: ((وتحديدنا الخاص عن الوحي يمتاز بأنه يستوعب بوذا وكومفوشيوس والحكماء الأفارقة، وكل الأصوات التي جسدت التجربة الجماعية لفئة بشرية ما من أجل إدخالها في قدر تاريخي جديد وإغناء التجربة البشرية عن الإلهي. وعلى هذا النحو يمكننا أن نسير باتجاه فكر ديني آخر غير السائد: أقصد باتجاه فكر ديني جديد يتجاوز كل التجارب المعروفة للتقديس " أو للحرام باللغة الاسلامية الكلاسيكية".))

 

وهو توحيد بين الأديان وإزالة للفوارق، وأن الوحي شمل تعاليم بوذا وكونفوشيوس والحكماء الأفارقة وتجارب البشر، وتيار فكرى ديني جديد يكون أنبياؤه بالطبع علمانيو اليوم، فالأهداف التي كانت مستورة في القرن الماضي للماسونية والعلمانية اليوم أصبحت علنية، وهي إزالة الأديان بدعوى التوحيد والتجميع، ونحن نقول لهم: فليحتفظ كل منا بمعتقداته ولنتفق على أمر واحد بسيط وهو رفع الظلم، فقبل أن نتفق على المعتقدات أن نتفق على رفع الظلم، وألا تكيلوا بمكيالين....

 

  • وليؤكد مبدأ الانسلاخ حاول تفسيره بمفهوم الخيال فقال:

 

((إن تفسير النبوة اعتماداً على مفهوم "الخيال" معناه أن ذلك الانتقال من عالم البشر الى عالم الملائكة انتقال يتم من خلال فاعلية المخيلة الإنسانية التي تكون في الأنبياء أقوى منها عند من سواهم من البشر. إذا كانت فاعلية "الخيال" عند البشر العاديين لا تتبدى إلا في حالة النوم وسكون الحواس فإن الأنبياء والشعراء والعارفين قادرون على استخدام المخيلة في اليقظة والنوم على السواء.))

 

إن هذا الكلام غير صحيح لأن النبي لا يتخيل ومصدر علمه يختلف عن المخيلة، وقد نفي الله ذلك بنفي الشعر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يتكلم في الوجدانيات ولم يقل شعراً قط. فالوحى يخاطب العقل ودليل ذلك قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن)؟

 

أما النبي فبخلاف ذلك، فهو مصيب دائماً لا يقول إلا الحق، ويقول ويفعل.

 

  • ويقدم لنا تفسيرا آخر لظاهرة النبوة اعتمادا على الرؤيا:

 

((إن فهم ظاهرة "الرؤيا" على أساس أنها حالة اتصال بين النفس والعالم الروحاني كان من شأنه أن يدعم الأساس النظري لظاهرة النبوة. وفي ظل هذا التصور لا تكون النبوة ظاهرة فوقية مفارقة، بل تصبح ظاهرة قابلة للفهم والاستيعاب. ويمكن أن يفهم "الانسلاخ" أو "الانخلاع" في ظل هذا التصور على أساس أنه تجربة خاصة، أو حالة من حالات الفعالية الخلاقة.))

 

ونقول إن (الرؤيا) -التي بنيت نتيجتك على أساسها -هي غير منضبطة إذ لا يمكن قياسها بين الجميع، فهناك رؤيا مصدرها التقاء الأرواح عند نومها كما جاء في تفسير على ابن أبى طالب رضى الله عنه والنفوس الطيبة تتذكر منها شيئاً عند اليقظة.

 

وهناك تفاوت في الرؤى، فبعضها يأتي كفلق الصبح وبعضها يأتي مرموزاً وبعضها يبقى أضغاث أحلام منشؤها العقل الباطن والاضطرابات النفسية والتشهي. وهو ما تخصص به علماء تفسير الأحلام وهو علم لا يعتبر من العلوم العامة، كما أن بعض الرؤى تكون من الشيطان.

 

وليس المطلوب منهم أكثر من ذلك فيما يخص من بعدهم، أما اجتهادهم وتفهمهم للنصوص فكان ملائما لمقتضيات عصرهم في تمثل روح الشريعة.

 

ويرجع سبب تقوقع حركة الثقافة العربية الى سيطرة العناصر غير العربية على مقاليد الأمور، يقول:

 

  • (وإذا كان من الصعب هنا أن نتتبع بدقة ذلك التحول الوظيفي الذي لحق بالنص الديني في حركة الثقافة العربية، فإننا نكتفي بالإشارة الى سيطرة العناصر غير العربية على حركة الواقع العربي الاسلامي، لقد كانت هذه السيطرة للعسكر بكل ما يمثلون من استناد الى القوة وحدها كفيلة بالقضاء على حركة التفاعل الحية النشطة بين النصوص والواقع).

 

نعم لقد سيطر العسكر من سلاجقة وديلم ومماليك ولكن على أي أساس؟

 

لقد سيطروا بنفس الدين واللغة والنص، بل ان سيطرة الدولة العثمانية على العالم الاسلامي كانت احياء لحركة الثقافة الاسلامية بعد مرحلة جمود، ولذلك لا يمكننا أن ننكر أن لهذه العناصر المسيطرة دورا فعالا في نشاط حركة التأليف في تلك المرحلة الزمنية.

 

فهل حددوا الضروريات والحاجيات وعرضوها على القادرين على الاستنباط الفقهي وعجز العلماء حتى يعبثوا كل هذا العبث؟ ‍

 

ثم يتحدث عن الأثر الأدبي للقرآن فيقول:

 

- (ان البحث عن مفهوم النص هو بحث يتناول القرآن من حيث هو: كتاب العربية الأكبر،

 

وأثره الأدبي الخالد، وهذا الدرس الأدبي للقرآن هو ما نعتده مقصدا أول وغرضا أبعد يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد. ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد الى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد ويرجع اليه فيما أحب من تشريع أو اعتقاد أو أخلاق... وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه الا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد.)

 

هل كان الهدف من تنزيل القرآن: الاعجاز الأدبي الخالد؟ وهل أخذ التشريع والعقيدة من القرآن أمر ثانوي وغرض ثان؟ وهل الأمر متروك للأهواء حتى يأخذ منه من يريد ومن يحب؟ ومن ناحية ثانية: إذا كان القرآن كتاب أدب فكيف يصبح مؤسسا للحضارة؟

 

ويصف موقف الكتب الحديثة في علوم القرآن وعلوم الحديث بقوله:

 

  • (ان موقف الخطاب الديني المعاصر من "علوم القرآن" ومن "علوم الحديث" هو موقف الترديد والتكرار، فالغاية عندهم تسهيل الكتب القديمة بسلبها كل ميزاتها طلبا للكسب والشهرة.

Leave A Comment

يرجى كتابة تعليق مناسب وتذكر قوله تعالى :(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) صدق الله العظيم
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.