Search form

Your shopping cart is empty.

محاضرة المحبة والسلام والتسامح

  • Home
  • /
  • Articles
  • /
  • محاضرة المحبة والسلام والتسامح
صورة مقال محاضرة المحبة والسلام والتسامح
Submitted by عمر عبدالله كامل on 18 May 2019 - 3:39am
  • مقالات

أولاً: ثقافة المحبة والسلام

 

إن ديننا الإسلامي هو دين السلام، وينبغي علينا نشر تعاليمه الداعية إلى السلام في مدارسنا وجامعاتنا، والتركيز عليها في وسائل الإعلام، والضرب على يد من يتجاوزها إلى العنف والاعتداء على المدنيين.

 

كما ينبغي إجراء دراسات تبث في مناهجنا التعليمية توضح أن ديننا دين السلام، ودين التعامل بالحكمة والموعظة الحسنة، فهي سبيلنا إلى الدعوة إلى الله بحسن تعاملنا مع غيرنا بعيداً عن الفظاظة والغلظة المنفرة.

 

قال الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: 125]

 

وقال مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: 159]

 

والإسلام يحرم ـ حتى في الحرب ـ الاعتداء على النساء والشيوخ والأطفال وقطع الشجر والمنافع، كما جاء في وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.

 

1- قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" [الحجرات: 13]

 

ومن هذه الآية الكريمة يظهر حرص الإسلام على تذكير المسلم بأنه إنسان أولاً، وأن اختلاف البشر وتفرقهم إلى شعوب وقبائل لا ينفي التعارف بأنواعه بينهم بالحسنى.

 

والتعارف كلمة منبثقة من المعرفة والتعرف، وهذا يشمل جميع نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والتجارية، واحترام الإنسانية، وتبادل المنافع، والتي منها نصحهم بخير ما عندنا (وهو الإسلام) بالحكمة والموعظة الحسنة، والتعرف لخير ما عندهم من منتجات حضارية لا تتصادم مع عقائدنا.

 

2-أمرنا الإسلام بمجادلتهم بالحسنى، فقال تعالى: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل الينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " [العنكبوت: 46]

 

وفيها دستور التعامل فيما يخص الأديان بلا ازدراء ولا احتقار ولا انتقاص.

 

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" [الأنعام: 1.8]

 

وقوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله" [آل عمران: 64]

 

وقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [الممتحنة: 8-9]

 

وكل هذه الآيات تدل على التودد والتراحم في بسط الدعوة إلى الله بلا إكراه.

 

والبر أمر عظيم، والقسط أمر أعظم، فالعدل يتساوى فيه جميع البشر، والبر تعامل يفوق العدل بمعايير الرأفة، رأفة الإنسان بأخيه الإنسان، بغض النظر عن اختلاف المعتقد والدين.

 

وقوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" [الأنفال: 61]

 

وقوله تعالى: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون" [النساء: 1.4]

 

بمعنى عدم المبالغة في الاعتداء، فلكل إنسان مشاعر يجب أن تحترم، فكما أننا نتألم فهم يتألمون.

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا.

 

وجرى تطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون على احترام حقوق غير المسلمين.

 

ولقد أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ما يسمى في علم الاجتماع بالعقد الاجتماعي بين الدولة والشعب فقد أبرم (عقد إنشاء الأمة) إذ وصف كل الموقعين على هذه الصحيفة بالأمة الواحدة بالرغم من أن فيها مسلمي مكة والمدينة وغيرهم من القبائل غير المسلمة واليهود... فلم يفرق بين أحد منهم لجنس أو دين (وهذه هي وظيفة الحاكم في الدولة).

 

فجاء في تلك الوثيقة: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معافلهم الأولى كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط...) ثم أخذ يعدد القبائل والبطون التي تسكن المدينة وما حولها... إلى أن قال: (وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وإن زفر بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته... وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم...)

 

ومن هذه الآيات القرآنية والتطبيقات النبوية نجد أن المنهج الأساسي للتعامل بين المسلمين وغيرهم مبني على العدل والمحبة الإنسانية وحب الخير للجميع، ونبذ الظلم.

 

وما كان الجهاد قط إلا وسيلة، ولم يكن هدفاً، وله شروط وضوابط. ولا نعتقد أن الجهاد المشروع القائم الآن سوى جهاد الدفاع عن النفس وما يسمى: (جهاد الدفع)، أما جهاد الطلب ففي عصرنا لا مكان له لأن إمكانية تبليغ الدعوة بالوسائل

 

الحديثة متاحة، بل إن كل الدول تسمح بإقامة المساجد وأداء الشعائر فيها، ونشر الدعوة الإسلامية بالحسنى، ولا تمانع في ذلك، فانتفى غرض الجهاد الذي كان أساساً لتوفير المناخ الصالح للدعوة، فإن توفرت بغير الجهاد فلا داعي له.

 

ثم إن أهل الأرض اليوم يجري عليهم حكم المعاهدين، وذلك لوجود التمثيل الدبلوماسي المتبادل، والاشتراك في هيئة الأمم والمعاهدات الدولية.

 

ثانياً: حقوق غير المسلمين

 

ينبغي الاهتمام بهذه الحقوق سواء كان هؤلاء معاهدين ممن تربطنا بهم علاقات دبلوماسية ثنائية أو جماعية (كالمنظمات الدولية) أو ممن يعيشون في بلداننا بموجب الوسائل الحديثة (تأشيرات وعقود عمل وغيرها).

 

وهذه نبذة بسيطة لتوضيح هذا الأمر.

 

وهم أهل الذمة، والذمة كلمة معناها: العهد والضمان والأمان وإنما سموا بذلك لأن لهم عهد الله وعهد الرسول وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام آمنين مطمئنين فهم في أمان المسلمين وضمانهم، أي ما يشبه في عصرنا (الجنسية) السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها.

 

فالمجتمع المسلم يقيم العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدالة والبر والرحمة، ولا يجرها إلى صراع دام مع المخالفين في الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون. وينبغي استخدام ألفاظ جيدة تتناسب مع عصرنا بحيث يقسم غير المسلمين إلى فئتين:-

 

من تربطنا بهم علاقات دبلوماسية وعلمية.

من هم في حالة حرب معنا.

 

دستور العلاقة مع غير المسلمين:

 

وأساس هذه العلاقة مع غير المسلمين قوله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون". [الممتحنة: 8-9]

 

فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا (ولو كانوا كفارا بدينه مالم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته).

 

ولأهل الكتاب من غير المسلمين منزلة خاصة في المعاملة والتشريع. فالقرآن ينهى عن مجادلتهم في دينهم إلا بالحسنى.

 

قال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" [العنكبوت: 46]

 

ويبيح الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب والأكل من ذبائحهم، كما أباح مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات والعفيفات.

 

وهذا في الواقع تسامح كبير من الاسلام، حيث أباح للمسلم أن تكون ربة بيته وشريكة حياته وأم أولاده غير مسلمة وأن يكون أخوال أولاده وخالاتهم من غير المسلمين. وقال تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان" [المائدة: 5]

 

حقوق غير المسلمين في ديار الإسلام:

 

أولاً: حق الحماية

 

وهذه الحماية تشمل حمايتهم من كل عدوان خارجي ومن كل ظلم داخلي حتى ينعموا بالأمان والاستقرار.

 

(أ) الحماية من الاعتداء الخارجي:

 

قال (في مطالب أولي النهى) من كتب الحنابلة: يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب بل كانوا بدارنا ولو كانوا منفردين ببلد.

 

وعلل ذلك بأنهم (جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين) وقول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع): (إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونمت دون ذلك، صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة.)

 

(ب‌) الحماية من الظلم الداخلي:

 

وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين أهل العهد والذمة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا من غير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة).

 

ويروى عنه صلى الله عليه وسلم:(من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة). وعنه ايضا:(من آذى ذميا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران أنه (لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر).

 

وكان عمر – رضي الله عنه – يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى فيقولون له: (ما نعلم إلا وفاء).

 

وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه - يقول (إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ، ودماؤهم كدمائنا).

 

لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة قد التزموا دفع الظلم عنهم وهم صاروا به من أهل دار الإسلام، بل صرح بعضهم بأن ظلم الذمي أشد من ظلم المسلم إثما.

 

(ت‌) حماية الدماء والأبدان

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما).

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها يوجد من كذا.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام وما من عبد يقتل نفسا معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها أن يجدها.

 

وذهب الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وعثمان وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسلم يقتل بالذمي لعموم النصوص الموجبة للقصاص من الكتاب والســنة ولاستوائهما في عصمة الدم المؤيدة، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد. وقال:(أنا أكرم من وفى بذمته) (رواه عبدالرزاق والبيهقي) وما روي أن عليا أتي برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة فقامت عليه البينة فأمر بقتله.

 

وقال: أنت أعلم من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا (أخرجه الطبراني والبيهقي).

 

وقد صح عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميا، فأمره أن يدفعه إلى وليه فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه فدفع إليه فضرب عنقه.

 

وهذا هو المذهب الذي اعتمدته الخلافة العثمانية ونفذته في أقاليمها المختلفة منذ عدة قرون.

 

وكما حمى الإسلام أنفسهم من القتل حمى أبدانهم من الضرب والتعذيب فلا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم.

 

وكتب علي رضي الله عنه إلى بعض ولاته على الخراج (إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفا ولا رزقا يأكلونه ولا دابة يعملون عليها ولا تضربن أحدا منهم سوطا واحدا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم. ولا تبع لأحد منهم عرضا (متاعا) في شيء من الخراج، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك (قال الوالي: إذن أرجع إليك كما خرجت من عندك (يعني أن الناس لا يدفعون إلا بالشدة). قال وإن رجعت كما خرجت.

 

(ث‌) حماية الأموال

 

ومثل حماية الأنفس والأبدان حماية الأموال. وهذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب.

 

روى أبو يوسف في الخراج ما جاء في عهد النبي لأهل نجران (ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم- على أموالهم وملتهم وبيعهم. وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير).

 

وفي عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما أن (امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحلها).

 

وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدونه حسب دينهم مالا وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين.

 

أما الخمر والخنزير إذا ملكهما غير المسلمين، فإنهما مالان عنده بل من أنفس الأموال، كما قال فقهاء الحنفية فمن أتلفها على الذمي غرم قيمتها.

 

(ج‌) حماية الأعراض

 

يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي في كتاب (الفروق) (إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقا علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا (حمايتنا) وذمتنا وذمة الله تعالى وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله وذمة دين الإسلام).

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار فقلت لمكحول ما أشد ما يقال قال يقال له يا بن الكافر.

 

وفي الدر المختار- (يجب كف الأذى عن الذمي وتحرم غيبته كالمسلم).

 

ويعلق العلامة ابن عابدين على ذلك بقوله: لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا إن ظلم الذمي أشد.

 

(ح‌) التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر

 

ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق وكانوا من النصارى: (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلين هو وعياله).

 

وقد كتب خالد به إلى الصديق ولم ينكر عليه أحد ومثل هذا يعد إجماعا.

 

ورأى عمر بن الخطاب شيخا يهوديا يسأل الناس فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلين وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم

 

وقال في ذلك: ما أنصفناه إذا أخذنا منه الجزية شابا ثم نخذله عند الهرم.

 

وعند مقدمه (الجابية) من أرض دمشق مر في طريقه بقوم مجذومين من النصارى فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت، أي تتولى الدولة القيام بطعامهم ومؤنهم بصفة منتظمة.

 

وبهذا تقرر الضمان الاجتماعي في أبناء المجتمع جميعا مسلمين وغير مسلمين.

 

ووضح العلامة شمس الدين الرملي الشافعي في (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج) أن أهل الذمة كالمسلمين في ذلك فدفع الضرر عنهم واجب

 

(خ‌) حرية التدين

 

ويحمي الإسلام حق الحرية وحرية الاعتقاد والتعبد، فيقول الله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" [البقرة: 256] وقوله سبحانه:" أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" [يونس: 99]

 

والآية الأولى أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام.

 

وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نص على حريتهم الدينية ، وحرمة معابدهم وشعائرهم)هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان : أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتها، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبها ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم (من الروم)فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان). كما رواه الطبري

 

وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات (ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاؤوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم.

 

ويبدو أن العمل جرى على هذا في تاريخ المسلمين، وذلك منذ عهد مبكر فقد بنيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل كنيسة (مار مرقص) بالإسكندرية ما بين (39 – 56 هـ) كما بنيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم، في ولاية مسلمة بن مخلد على مصر بين عامي (47 – 68 هـ) كما سمح عبد العزيز بن مروان حين أنشأ مدينة (حلوان) ببناء كنيسة فيها، وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين.

 

(د‌) حرية العمل والكسب:

 

فقد قرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا، فإنه محرم عليهم كالمسلمين.

 

(ذ‌) تولي وظائف الدولة:

 

ولأهل الذمة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، وقد بلغ التسامح بالمسلمين أن صرح فقهاء كبار مثل الماوردي في (الأحكام السلطانية) بجواز تقليد الذمي (وزارة التنفيذ) ووزير التنفيذ هو الذي يبلغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها ويمضي ما يصدر عنه من أحكام وهذا بخلاف (وزارة التفويض) التي يكل فيها الإمام إلى الوزير تدبير الأمور السياسية والإدارية والاقتصادية بما يراه، وقبل ذلك كان لمعاوية بن أبي سفيان كاتب نصراني اسمه سرجون.

 

(ر‌) ضمانات الوفاء بهذه الحقوق:

 

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره.

 

فقد قررت الشريعة الإسلامية لغير المسلين كل تلك الحقوق وكفلت لهم كل تلك الحريات وزادت على ذلك بتأكيد الوصية بحسن معاملتهم ومعاشرتهم بالتي هى أحسن.

 

وقال سبحانه:" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقســط ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى "

 

[المائدة: 8]

 

ثانيا: ضمان المجتمع المسلم:

 

والمجتمع الإسلامي مسؤول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة، وتطبيق أحكامها في كل الأمور ومنها ما يتعلق بغير المسلمين.

 

وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر، حين ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين ما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه: فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه، فقال القبطي: إنما ضربت من ضربني، ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة (يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

 

ومن الأمثلة البارزة على ذلك: موقف الإمام الأوزاعي من الوالي العباسي في زمنه، عندما أجلى قوماً من أهل الذمة من جبل لبنان، لخروج فريق منهم على عامل الخراج فكان مما قال فيها: (فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) إلى أن يقول في رسالته:

 

(فإنهم ليسوا بعبيد، فتكون في حل من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهل ذمة)

 

ومثل ذلك أخذ الوليد بن عبد الملك كنيسة (يوحنا) من النصارى، وأدخلها في المسجد، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يعوضوا بما يرضيهم.

 

ومثل ذلك أجلى الوليد بن يزيد من كان بقبرص من الذميين، وأرسلهم إلى الشام مخافة حملة الروم، ورغم أنه لم يفعل ذلك إلا حماية للدولة، واحتياطاً لها في نظره فقد غضب عليه الفقهاء وعامة المسلمين واستعظموا ذلك منه، فلما جاء يزيد بن الوليد

 

وردهم إلى قبرص، استحسنه المسلمون، وعدوه من العدل وذكروه في مناقبه، كما يروي ذلك المؤرخ البلاذري.

 

ومثل ذلك سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح، فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين، هل لك من بينة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، مالي بينة، وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة علي بخلاف ذلك، فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين فخرجت من بعيرك الأورق، فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك.

Leave A Comment

يرجى كتابة تعليق مناسب وتذكر قوله تعالى :(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) صدق الله العظيم
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.