مقالات عامة https://okamel.com/index.php/ ar رد على أبي زيد | المقالة الثالثة https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A9 <span>رد على أبي زيد | المقالة الثالثة</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:19</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/aby_zyd_3.jpg" width="620" height="280" alt="رد على أبي زيد | المقالة الثالثة" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><h4>الدعوة إلى الدين نوع من الإرهاب الفكري..!!</h4> <p>هل أغلق باب الاجتهاد؟!</p> <p>لا وجود للنص في اللوح المحفوظ، بل هو منتج ثقافي واقعي.</p> <p>الديالكتيك الصاعد والديالتيك الهابط.</p> <p>إن مصداقية النص تنبع من تقبل الثقافة له..!</p> <p>ثم يطالعنا بوصف عجيب للدعاة إذ يجعلهم إرهابيين، وفي نفس الوقت يكشف لنا القناع عن نفسه بوصفه منافحاً عن العلمانيين. يقول: (( هل يمكن للباحث أن يتجاهل أن الدعوة للدين تتحول على يد هذه الجماعات الإسلامية أحياناً الى نوع من الإرهاب الفكري؟</p> <p>وحين يوضع الدين مقابلاً للعلم في مناقشات ومؤلفات عن "الاسلام والعلمانية" حيث ينبري رجال الدين لمهاجمة العلمانية وينبري العلمانيون للدفاع عنها، هل يستطيع الباحث أن يتجاهل الإعلام الرسمي الديني وما يمارسه من تخريب في وعي الناس بالأحاديث والفتاوى التي تُغيب الناس عن قضاياهم الحقيقية.))</p> <p>في الواقع إن العلمانيين (أمثالك) والإرهابيين كلاهما خارج عن منهج الإسلام، فهم يتشددون ويتشددون حتى يشبهوا الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمارقين، وأنتم أيضاً خارجون بدعاويكم الغربية التي قد تصل الى الإلحاد في بعض الأحيان، بل وأرى أن العلمانية "الدنيوية" التي نشأت في ظل الهرطقة الكنسية لإعادة الاحترام للعلم أخذتموها لمجتمع لا يعاني هذا التصادم بين الدين والعلم، فكنتم التطرف الذي كان سبباً في نشوء التعصب الديني. فعامة المسلمين حماسهم يطغى على علمهم وحلمهم، فحينما يصدمون بأمثال دراساتكم ويعجزون عن الرد "وانشغال العلماء المحققين عنكم" النتيجة هي أن تمتد أيدي هؤلاء كمن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه.</p> <p>أضف إلى ذلك أن الظروف القاسية التي يعيشها المسلم اليوم من فقر وسوء توزيع تجعله يفقد الأمل في الأرض فيلجأ إلى السماء بحثاً عن العدل والوصول إلى حقه المهضوم. كان ينبغي عليكم محاربة أسس التطرف من فقر وظلم وجهل فهذا خير من السفسطة.</p> <p>وترددون عبارات عجيبة عن غلق باب الاجتهاد، فمن الذي أغلق باب الاجتهاد؟ إن الذي أغلقه عجز الناس وقصور علمهم، فلو استبدلنا اليوم الاجتهاد الفردي بالاجتهاد الجماعي حتى يستكمل كل مجتهد نواقصه بأخيه فنحن في عصر فقدنا فيه العلماء الموسوعيين.</p> <p>"ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه..."</p> <p>ويتحدث عن غلق باب الاجتهاد محددا السبب الذي أدى الى ذلك بقوله:</p> <p>- (اختلاف الرؤى والتوجهات في الواقع الثقافي المعاصر، وتعدد الاجتهادات والتأويلات في التراث، مثل هذه الاختلافات قد أدت في الماضي إلى نوع من "اللا أدرية" انتهت إلى تحريم الفكر ذاته، وإلى غلق باب الاجتهاد، فان غايتنا من طرح السؤال الوصول إلى فهم موضوعي لماهية الاسلام).</p> <p>من أغلق باب الاجتهاد؟ وهل فتحه الله ويغلقه البشر؟</p> <p>قل عجزنا وتكاسلنا وعدم انكبابنا على العلم الصحيح وعجز أهل الدنيا عن عرض مشاكلهم مما يجعل الفقيه عاجزا عن معرفة الضروري من التحسينيات كما كان الناس في السابق يعرضون مشاكلهم،</p> <p>فالفتوى على قدر النص، إذ لا نطالب الفقيه بالفتوى على ما في أذهاننا وعقولنا، وإنما على قدر نص سؤالنا، فإذا أردتم فحللوا المشاكل تحليلا جيدا وأرسلوها إلى مجمع الفقه، بدلا من التنظير والطعن والغمز واللمز، فالعجز التكنولوجي لا دخل للفقيه فيه.</p> <p>وقد كانت دعوة العلمانية إلى فصل الدين عن السياسة من قبيل التنظير الذي أثبت الواقع فشله فها هم في تجاربهم لم يسيروا في ركب الحضارة (تركيا).</p> <p>ويفصل بين العروبة والاسلام في انشاء الحضارة فيقول:</p> <p>- (والقول بعروبة الاسلام لا يتجاهل اسهامات غير العرب، غير أن مفهوم "غير العرب" هنا مفهوم غير دقيق الا إذا كان مفهوم العروبة يقوم على "العرق" و "الجنس" ولا يقوم على أساس "الثقافة".</p> <p>ان الذين يفصلون بين العروبة والاسلام يفهمون العروبة فهما عرقيا جنسيا متناسين أن النقاء الجنسي والعرقي أسطورة ووهم).</p> <p>الاسلام رفض العنصرية واعتبر أن كل من تكلم العربية عربي، ودعانا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى السمع والطاعة (ولو تأمر عليكم عبد حبشي). فقد اندمجت في الاسلام أمم غير عربية وكان منهم علماء مشهورين لهم باع طويل في شتى مجالات العلوم وخير مثال على هؤلاء سيبويه إمام النحو.</p> <p>لقد كانت النزعة الشعوبية رد فعل للعنصرية التي نشأت في أواخر العصر العباسي.</p> <p>وظهرت العنصرية العربية في القرن التاسع عشر بظهور العنصرية الطورانية.</p> <ul> <li>أليس مما له دلالته في هذا الصدد أن تكون القدس تحت سيطرة الصهاينة، ويبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو مباركة صامتة؟!</li> </ul> <p>هؤلاء العلماء الأفذاذ باركوا الصلح مع العدو باسم "الاسلام" وكانوا من قبل يدعوننا للجهاد والتضحية باسم الاسلام، والعدو هو العدو لم يتغير.</p> <p>وهو يؤكد على علاقة النص بالواقع فيقول:</p> <ul> <li>(والحقيقة أن الفصل بين ما يطرحه النص عن نفسه وبين ما صاغته الثقافة عنه فصل تعسفي، لكنه فصل لا غناء عنه للتوضيح والبيان.</li> </ul> <p>ان النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي. والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما).</p> <p>هذا خطأ ويدل على أنك معتزلي، وكلمة "تشكل" تعني أن القرآن مخلوق.</p> <p>والقرآن كلام الله القديم موحى الى الرسول، ومن سر إعجاز الوحي أنه طابق الأسباب في الحوادث، واحتفظ بخلوده وقدرته على ضبط المستجدات بعلل الأحكام، فتمتد العلة حتى تشمل المستجدات، وهنا سر اتساع نصوص الوحي.</p> <p>ويرفض أزلية وجود القرآن في اللوح المحفوظ إذ يقول:</p> <ul> <li>(إن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم امكانية الفهم العلمي لظاهرة النص.</li> </ul> <p>ان الايمان بالمصدر الإلهي للنص، أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي اليها.</p> <p>إن الله حين أوحى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالقرآن اختار النظام اللغوي الخاص بالمستقبل الأول.</p> <p>وعلى ذلك لا يمكن أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع، ان ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر. إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحال قضية بديهية لا تحتاج لإثبات).</p> <p>من جديد هذه دعوة أخرى إلى نزع قدسية النص، واعتباره مخلوقا بإخضاعه للثقافة والواقع.</p> <p>هناك فرق بين ترك الفهم للعقل وبين ترك الفهم للهوى.</p> <p>ونحن نفخر بأن المسلمين أوجدوا علم الفهم -أصول الفقه -لوضع قواعد ضابطة للفهم.</p> <p>ويعود ليؤكد العلاقة الجدلية بين النص والثقافة مجددا رفضه لوجود النص أزليا في اللوح المحفوظ:</p> <ul> <li>(إن العلاقة بين النص والثقافة علاقة جدلية معقدة تتجاوز كل الأطروحات الأيديولوجية في ثقافتنا المعاصرة عن النص.</li> </ul> <p>إن هذه النصوص لم تلق كاملة ونهائية في لحظة واحدة، بل هذه نصوص تشكلت خلال فترة زادت على العشرين عاما، وحين نقول (تشكلت) فإننا نقصد وجودها المتعين في الواقع والثقافة بقطع النظر عن أي وجود سابق لها في العلم الإلهي أو في اللوح المحفوظ).</p> <p>هذا يعني أن القرآن لم يخاطبنا وليس له علاقة بثقافة الانسان.</p> <p>ومشكلتكم الفظيعة أنكم تريدون الخلط بين استقراء الواقع وبين وجود نصوص جاهزة تفصيلية لكل المستجدات، ولو كان القرآن كذلك لمللتم كما مل غيركم.</p> <p>فمن رحمة الله أنه جعل القواعد عامة تستوعب المستجدات.</p> <p>ويتحدث عن منهج البحث عن دور الواقع والثقافة في تشكيل النصوص حيث تعطى الأولوية للحديث عن الله قائل النص ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم المستقبل الأول للنص، ثم الحديث عن الواقع - أسباب النزول - المكي والمدني - الناسخ والمنسوخ. ليقول بعد ذلك:</p> <p>- (ان مثل هذا المنهج بمثابة ديالكتيك هابط في حين ان منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد، وعلى حين يبدأ المنهج الأول من المطلق والمثالي في حركة هابطة الى الحسي والمتعين، فان المنهج الثاني يبدأ من الحسي والعيني صعودا، يبدأ من الحقائق والبديهيات ليصل الى المجهول ويكشف عما هو خفي).</p> <p>هل المقصد هو تبرير الواقع أم إظهار الحق، فالديالكتيك الصاعد هو الذي يؤدي إلى تبرير الواقع. ونحن نعيب عليك استخدام الديالكتيك الهابط في الجدل، والله واحد لا يتجادل ولا يتناقض، وما أشبه هذا القول بمسألة البدء القائلة بتغير رأي الله تعالى.</p> <p>وأما الديالكتيك الصاعد فنحن لا نعرف ماذا تقصد؟ تناقضاتنا مع الواقع أم مع بعضنا؟</p> <p>ولكن قول الفقهاء أجمل وأحكم من قولك لأنهم حددوها بضروريات وحاجيات وتحسينات منضبطة ولو لم يكن هذا الأمر مقدرا في التشريع لما قال الفقهاء: إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.</p> <p>وإذا سلمنا بصحة الديالكتيك، فقد سقط الديالكتيك عندما طبق على التاريخ وحينما طبق على الاقتصاد في النظرية الاشتراكية الشيوعية، والغربيون نفسهم يناقضون هذه المسألة ولا يسلمون بصحتها.</p> <p>ويعبر عن اختلاط مفهومي الوعظ والعلم فيقول:</p> <ul> <li>(وبذلك يتحول الخطاب العلمي من خلال هذا المنهج عن مهمته الحقيقية ليؤدي مهمة أخرى هي مهمة الوعظ والإرشاد، ولعل هذا يفسر لنا اختلاط مفهوم "العالم" بمفهوم "الواعظ" في ثقافتنا الدينية).</li> </ul> <p>ومن قال: إن الوعظ والارشاد في مفهومه الأساسي وهو الدعوة، ليس الغرض الأساسي للدين؟! لكل مجاله العالم والواعظ.</p> <p>وها هو يتوقع أن يجابه منهجه بالاعتراض إذ يقول:</p> <ul> <li>(والاعتراض الذي يمكن أن يثار هنا: كيف يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص على نـص إلهي؟ والاتهام حــول تطبيق مفاهيم البشر ومناهجهم على نـص غير بشري من حيث أصلـه ومصـدره)</li> </ul> <p>إنك تستفز بكلامك شعور المسلم، إن النص هو مجال للفهم وليست مهمتنا النقد، إن غرضنا هو فهم نصوص الله ومراده وليس تغييرها، إلا إذا أردت الخروج عن الإسلام فهذا أمر آخر.</p> <p>ويتحدث عن المصدر الذي تنبع منه مصداقية النص فيقول:</p> <ul> <li>(إن مصداقية النص في منهج تحليل النصوص لاتنبع من دليل خارجي، بل تنبع من تقبل الثقافة للنص واحتفائها به.</li> </ul> <p>لقد اختلف القدماء، هل يحتاج النص إلى دليل خارجي لإثبات مصداقيته، أم أنه يتضمن في داخله هذا الدليل؟ وهل هذا المعيار الخارجي هو العقل أم المعجزة الباهرة التي تقع على يد الرسول؟</p> <p>وفي منهج تحليل النصوص تنبع مصداقية النص من دوره في الثقافة، فما ترفضه الثقافة لا يقع في دائرة النصوص).</p> <p>إن النص لا يحتاج الى دليل خارجي لإثبات المصداقية، وانما الدليل الخارجي هو لتوضيح العلة والحكمة، فالأمر لا علاقة له بالمصداقية بل هو الضوء الذي يراه العقل في العلة والحكمة.</p> <p>ولو كان ما ذهبت إليه صحيحا لكان القرآن للتنفيذ وليس للتشريع.</p> <p>أنت تريد أن تنطلق من الواقع فقط وتحشر الدين في العبادات فقط، وهذه سوف يشك فيها لأن فهمك يختلف، فليست مهمتك تصحيح كلام الله.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=109&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="lL-2FHBc2DH1WvuVwCBRSJvqq0t7UlUCITUirQFArs8"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:19:08 +0000 عمر عبدالله كامل 109 at https://okamel.com رد على أبي زيد | المقالة الأولى https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89 <span>رد على أبي زيد | المقالة الأولى</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:14</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/aby_zyd.jpg" width="620" height="280" alt="رد على أبي زيد | المقالة الأولى" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>تابعت باهتمام الخبر الذي نشرته الصحافة حول قرار محكمة استئناف القاهرة، والقاضي بالتفريق بين الكاتب الدكتور / نصر حامد أبو زيد، وزوجته لكونها مسلمة، وباعتبار أن الدكتور قد قدم كتبا ونشر أبحاثا تعتبر خروجا على الاسلام مما يوجب اعتباره مرتدا عن الاسلام، وبما أن الاسلام يمنع استمرار العلاقة الزوجية بين المسلمة والمرتد كان من الواجب الحكم بالتفريق بين الزوجين.</p> <p>ولست من أولئك الذين يتهمون الناس ويحكمون عليهم بالردة أو الكفر من جراء ما يصدر عنهم من آراء وكتابات، بل إنني أفضل الحوار البناء الذي يكشف الحق ويزهق الباطل، فعندما يكون الحوار علميا هادفا مترفعا عن العبارات السوقية، غير متوجه الى الأشخاص، بل الى الأفكار والآراء معتمدا على الحجج والبراهين الدامغة، يدرك الناس حينئذ زيف الباطل "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."</p> <p>لقد قرأت الكتب التي أصدرها الدكتور (أبو زيد) وأطلعت على أبحاثه التي نشرها من أمثال: الخطاب الديني - نقد الخطاب الديني - الاتجاه العقلي في التفسير - مفهوم النص "دراسة في علوم القرآن"... وغيرها.</p> <p>توقفت كثيرا عند كتابه الأخير "مفهوم النص" فما وجدت له تفسيرا ودافعا سوى: عداوة كامنة شديدة للقرآن الكريم، ودعوة الى رفضه ونزع قدسيته وتحرير عقول الناس من أحكامه...!!!</p> <p>وإن ما يحز بالنفس أن هذا الدكتور أستاذ في جامعة القاهرة، والخوف كل الخوف على أولئك الشباب الذين يتخرجون من تحت يديه وقد رضعوا لبن التحلل من القيم الدينية.</p> <p>وفي هذه المقالة وما يليها سأحاور هذا الكاتب من خلال بعض الأفكار التي تضمنها كتابه "مفهوم النص" وأسأل الله أن يعينني على بيان الحق إنه سميع مجيب.</p> <p>في معرض حديثه عن الحضارة يقول: (الحضارة العربية الاسلامية هي حضارة النص بمعنى أنها حضارة أنبتت اسمها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه).</p> <p>ثم يعود سريعا ليقول في نفس الصفحة (ان الذي أنشأ الحضارة وأقام الثقافة جدل الانسان مع الواقع فان النص أيا كان لا ينشىء حضارة ولا يقيم علوما وثقافة).</p> <p>عجبت لهذا الرجل حينما يسمي الحضارة الاسلامية والعربية ومركز النص فيها.</p> <p>ثم يعود وينكر قيام حضارة على نص فإنه بذلك ينكر الحضارة العربية والاسلامية. وهذا أمر قام وشهد له العالم من قبل وحكم الدنيا قرونا عديدة، ولكن يبقى أن تحدد تحديدا دقيقا بعض الكلمات التي أصبحت متداولة بين الناس مع عدم وجود مفهوم واضح محدد لهذه الكلمات:</p> <p>الحضارة: ماذا تعني الحضارة؟ هي من الحاضرة ضد البادية.</p> <p>فان كان التحضر هو التخلق بأخلاق الحضر فما الذي يمنع قيام حضارة على نصوص والحضارة والتمدن تقريبا معنى واحد، فالتمدن هي أخلاق المدينة، هل تعني الحضارة أو التمدن مرحلة معينة من التقدم المادي؟ أو هل هي قصر على التقدم المادي أم أن القيم هي الحضارة؟</p> <p>أنا أفرق كثيرا بين التقدم الصناعي والتقدم التقني وبين الحضارة، فهل يمكننا وصف التقدم الصناعي والتقدم التقني في جو لا تحكمه قيم بلفظ الحضارة.</p> <p>فهل الثورة الصناعية بكل ما أنتجته من تقدم صناعي في ظل معاناة الانسان وظروف العمل السيئة، وتشغيل الأطفال، والأجور المنخفضة وساعات العمل التي تفوق 12 ساعة والتعامل مع الانسان كآلة، هل تسميها حضارة أم ثورة صناعية؟</p> <p>ثم الثقافة: هذا مفهوم مطاط يسميه كل شخص بمفهوم مختلف فهل الثقافة علم التبحر في العلوم؟ أم هي القدرة على الوصول للمعلومة؟ أم هي سعة الاطلاع المختلف الجوانب؟.</p> <p>وهل الثقافة مقصورة على حوادث الزمن المعاصر وأحداثه؟ أم على الزمن الماضي؟ لذلك فان تعميمه بأن النص لا ينشئ حضارة ولا يقيم علوما أو ثقافة قول خاطئ فاني أرى أن مهمة النص الاسلامي هي ضبط علاقة الانسان بربه وضبط علاقة الانسان بأخيه الانسان وضبط علاقة الانسان ببقية المخلوقات على معايير من العدل والاحسان والحرية المنضبطة، اذن فمهمة النص في الحضارة الاسلامية هي تهيئة الجو القابل للعيش الكريم المتساوي وهذه هي الظروف التي تحتاجها أي حضارة انسانية للانطلاق سواء في الصناعة أو الزراعة أو غيرهما، ودليلي هو مساهمات المسلمين في العلوم والفنون في ذلــك الزمن، واستيعابهم للحضارات السابقة والاضافة اليها، وتوصيل هذه الحضارة للحضارة المعاصرة ففذلكة الكلام عند هؤلاء العلمانيين لا يهام الناس أمر ذو خطورة.</p> <p>وأقف أمام كلمة الجدل:</p> <p>إن الجدل في معناه اللغوي: هو التخاصم والمخاصمة في الحوار.</p> <p>واختياره لكلمة جدل تعريبا لكلمة Dialectic فان هذا المفهوم نشأ عن النظرية الداروينيه في النشوء والارتقاء، بمعنى أن كل شيء يحوي نقيضه وان الصراع بين النقيضين يحوي مرحلة أخرى من الكمال.</p> <p>مع أن النظرية نشأت في دراسة تطور الانسان وثبت فشلها وثبت تعارضها مع جميع النصوص السماوية ومع ذلك أثبت العلم التجريبي خطأ هذه النظرية، واستعار الفلاسفة هذه الكلمة وطبقوها على العلوم الانسانية كالتاريخ في محاولة للخروج بنظرية لحتمية التاريخ واستعارها الشيوعيون لحتمية الصراع الطبقي ويحاول الفلاسفة الجدد استعارتها أيضا في النصوص كأنهم لم يعرفوا أن نظرية DIALECTIC ثبت فشلها في جميع الميادين بما فيها مجال علوم الأحياء فان لم تثبت في العلوم التجريبية فما بالك بغيرها.</p> <p>ونسوا أمرا مهما قاله القدماء وهو أن الحاجة أم الاختراع فهذه أصدق من مقولتهم، فالإنسان لا يخترع إلا إذا شعر بالحاجة. وهكذا نشأت العلوم.</p> <p>حاجة تتضافر العقول على دراستها وحلها ولكن ليس جدلا مع الواقع أو DIALECTIC ويقول (واذا كانت الحضارة تذكر حول نص بعينه فلاشك أن "التأويل يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة وقد يكون التأويل مباشرا "استخراج دلالة النص ومعناه" وذلك في مجال العلوم الدينية، وقد يكون التأويل غير مباشر وذلك في مجالات العلوم الأخرى.. وقد حظي التأويل ببعض الدراسات التي ركزت على العلوم الدينية وتجاهلت ما سواها، إن البحث عن مفهوم للنص ليس مجرد رحلة فكرية في التراث، ولكنه بحث عن "البعد" المفقود في هذا التراث وهو البعد الذي يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من صياغة "الوعي العلمي" بهذا التراث).</p> <p>كعادة جميع الفلاسفة عند مناقشة النصوص يحاولون مرة أخرى أن يفتحوا باب التأويل فان سد عليهم باب التحريف في النصوص بما بذله الفقهاء والعلماء المسلمون من ضبط لعلوم القرآن والسنة يحاولون التحريف باسم التأويل غير المنضبط.</p> <p>ويحاولون إقناع الناس بأن هناك بعدا مفقودا هو البعد العلمي في التأويل حتى نصل لصياغة الوعي العلمي للتراث.</p> <p>ومرة أخرى نعود لمغالطات هؤلاء الفلاسفة ماهي علاقة الانسان بالنص. إن علاقتي بالنص هي الفهم. فطالما أنني آمنت بالله ورسوله "صلى الله عليه وسلم"، على أن أفهم النص، وعلم الفهم علم اسلامي أصيل هو علم أصول الفقه وعلم الفقه.</p> <p>ويتناقض هؤلاء الفلاسفة مع بعضهم فحينما يرى (أركون) أن الدراسات التي حكمت على اكتشاف الاعجاز العلمي في القرآن هي من قبيل التلفيــق ونسـب الظواهـر العمليـة للنصـوص.</p> <p>نـجــد هذا يبحث في الوعي العلمي ومع ذلك إذا كان القصد هو اثبات أن القرآن تكلم عن حقائق علمية فهذا أمر أثبته الواقع وشهادة غير المسلمين بوضوح جلي لا لبس فيه، أما إذا كان ما يقصده من المنهج العلمي هو الوعي العلمي واستنتج من كلمة الوعي أنه يقصد الفهم فلا أجد فرقا كبيرا بين فهم ووعي،</p> <p>ووعي علمي بالنصوص يعني فهما علميا للنصوص والفهم العلمي يقوم على أسس هي:</p> <p>أولا: اثبات صحة النص وقد قامت بهذه المهمة علوم النقل المختلفة التي حافظت على الجانب المهم وهو صحة النص.</p> <p>ثانيا: قواعد الفهم، وقام بهذا الدور علم أصول الفقه.</p> <p>فان كان المناطقة يسمون علم المنطق بأنه القواعد الضابطة للفهم من الخطأ، فنقول ان علم أصول الفقه هو القواعد الضابطة للفهم الصحيح وهو علم لا يرقى الى مستواه أي علم من علوم الغرب في فهم النصوص.</p> <p>فإخراج الفهم من حيز الوهم والهوى لابد له من قواعد يستوي فيها الناس جميعا والا لو ترك الحبل على غاربه لكل من أراد أن يفهم على هواه أصبح الأمر أهواء وبعد عن الوصف العلمي.</p> <p>فالعلم منضبط بقواعد وأسس لا يختلف عليها أهل العلم.</p> <p>ثم يتحدث الكاتب عن معركة "التوجيه الأيديولوجي" حول البحث في التراث فيقول:</p> <p>(ان ثمة قوى في الواقع الثقافي والاجتماعي لا تريد تحقيق "الوعي العلمي" بالتراث لأن من شأنه أن يسحب الأرض من تحت "توجيهاتهم الايديولوجية" لهذا التراث، ولا شك أن المنتصر في معركة "التوجيه الايديولوجي" هذه هو الفكر الرجعي التثبيتي، وذلك لأن استناده الى التراث استناد الى تاريخ طويل من سيطرة الفكر الرجعي على التراث ذاته).</p> <p>فهو يوضح حقيقة نواياه بالوعي العلمي بأنه لو تحقق سوف يسحب البساط من تحت الايديولوجية لهذا التراث.</p> <p>عجيب أمر هذا الرجل، إذا كان الوعي هو الفهم فما الذي يعيبه على قواعد الفهم الاسلامي فليسلك مسلكهم ويرينا ماذا يخرج معه.</p> <p>ثم هذا الخلط في معنى الايديولوجية فهي تعني العقيدة فهل الشك الآن في العقيدة؟ والتي تدور كلها حول أركان الايمان، أم أنهم تصوروا (لتأخر الاجتهادات الفقهية للظروف التي مرت بالعالم الاسلامي) أن الاسلام غير قادر على استيعاب حاجات الناس الأصلية؟ فقليلا من الجهد في دراسة نظرية المقاصد الشرعية تزيل الالتباس من أذهان هؤلاء. فلا أدري كيف اختلط الأمر في أذهانهم بين الفقه والفتوى وبين العقيدة، مع أن الفقه اختصاصه الفروع والاجتهاد وقد قال الفقهاء الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والمستفتي، وقالوا الاختلاف اختلاف زمان ومكان بل في هذا الأمر تجن كبير على الفقه الاسلامي، فلو كلفوا أنفسهم مراجعة الفتاوي الجماعية لمجامع الفقه في مواجهة أكثر الأمور تعقيدا مثل نقل الأعضاء واستخدام المياه النجسة بعد تكريرها، بل الجهد المبذول في الاقتصاد الاسلامي، لعلموا أن الدين الاسلامي خالد وقادر على مواكبة تطورات الحياة حتى قيام الساعة بإذن الله. فنعيب فقهاءنا وديننا، والعيب فينا وفي فكرنا وفي توجهنا وفي كسلنا.</p> <p>وينبغي عليهم أن يقرؤوا بتدبر قوله سبحانه وتعالى "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا".</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=107&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="9Kb5vqNNhaW-OJDS-Id3PFdZa7m9nTStT_lRCLNS5Sk"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:14:45 +0000 عمر عبدالله كامل 107 at https://okamel.com رد على أبي زيد | المقالة الخامسة https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%A9 <span>رد على أبي زيد | المقالة الخامسة</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:21</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/aby_zyd_5.jpg" width="620" height="280" alt="رد على أبي زيد | المقالة الخامسة" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><h4>[المتلقي الأول للنص "محمد" رسول الله صلى الله عليه وسلم]</h4> <ul> <li>إنسان شاء الفكر الديني السائد أن يجعله حقيقة مثالية مفارقة للواقع...!</li> <li>لقد تشكل النص متجاوبا مع الواقع ممثلا في شخص محمد.</li> <li>أسباب نزول القرآن:</li> </ul> <p>لا يمكن افتراض تأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها.</p> <p>بل يمكن افتراض تكرر نزول الآية أكثر من مرة، لأنه افتراض يؤدي احتمال نسيان نصوص القرآن من قبل الرسول ذاته..!!</p> <ul> <li>تأخر الوحي في فترة ما كان نوعا من التأديب لـ "محمد"...!!!</li> <li>وعندما يتحول الكاتب للحديث عن المتلقي الأول للنص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاول ان يجرده من عظمته وتميزه بين البشر ويعتبره إنساناً عادياً كعامة الناس في بيئته وعصره، وينسى بذلك اصطفاء الله له من بين البشر وعنايته عز وجل به منذ نعومة أظافره حتى بلغ سن الرسالة والأدلة على ذلك كثيرة وهي مطروحة في كتب السيرة.</li> </ul> <p>يقول الكاتب: ((هذا ما يحكيه التاريخ عن الرجل والإنسان الذي شاء الفكر الديني السائد أن يحوله الى حقيقة مثالية ذهنية مفارقة للواقع والتاريخ.))</p> <p>ونقول: إن هذا الزعم مخالف للواقع، فالنبي منذ الأزل في علم الله هو نبي، ولذلك كان معصوماً محفوظاً محفوفاً بالعناية الإلهية، وكان فذاً في الأخلاق والقيم والفضائل قبل أن يبعث، ولم يوجد له مثيل في أهــل الأرض يساويه حتى اشتهر بين قومه بالصادق الأمين.</p> <p>ولنأخذ مثالاً على عصمته مما كان يقع فيه أترابه عندما كان فتى يافعاً، فعندما هم أن يسمر مرة كما يسمر الفتيان ودخل داراً أقيمت فيها حفلة للغناء والعزف ضرب الله على أذنه النوم فنام وما أيقظه إلا حــر الشمس، ثم كرر المحاولة ثانية فنام كما في المرة الأولى، ألا يـــدل ذلك على أن هذا بشر متميز يحضّره الله لمهمة سامية؟.</p> <p>أما تجريده من إرهاصات النبوة وإعادته إلى رمز بشري عادي، فلو كان كذلك لما انصاع له الناس. لقد أكد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس مثلنا، فعندما نهانا عن مواصلة الصيام وكان هو يواصل قال: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل الى السحر، قالوا: فانك تواصل يا رسول الله قال: اني لست كهيئتكم، اني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" فضلاً عن الآيات التي دلت على عظمته وتميزه (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكذلك الآيات التي دلت على فضله ووجوب التعامل معه بأدب " الاستئذان للدخول عليه - غض الأصوات عنده " وعدم التجادل معه، وكلها آيات نزلت من عند الله توجب احترامه، حتى أنه قال مؤكداً لنا تميزه: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر".</p> <ul> <li>ثم نجده يتساءل عن واقع العرب ونزوعهم للعودة إلى دين إبراهيم فيقول: ((لقد كان البحث عن دين إبراهيم في حقيقته بحثاً عن الهوية الخاصة للعرب، وهى هوية كانت تهددها مخاطر عدة، أهم هذه المخاطر هو الخطر الاقتصادي النابع من ضيق الموارد الاقتصادية وقد أوشكت حياة الصراع والتناحر والحروب بين القبائل أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها.))</li> </ul> <p>هذا تفسير مادي للتاريخ، فالحرب لم تنقطع بينهم بل إن أهم قبيلتين ساهمتا في إقامة الإسلام (الأوس والخزرج) لم تنته الحروب بينهما إلا قبيل الإسلام.</p> <p>إضافة إلى ذلك لو كانت هذه الفكرة حاضرة في ذهن العرب لتقبلتها قريش أولاً حينما نصحها أحدهم بقبول الرسالة لتدين لهم العرب، كما تقول الرواية.</p> <p>وأما البحث عن دين إبراهيم فلا يعنى بحثاً عن دين خاص للعرب، فالنبي الوحيد الذي غطت رسالته أمماً كثيرة (غير محمد رسول الله) كان إبراهيم عليه السلام فقد دعا إلى الله ابتداء من العراق ثم في مصر وفي فلسطين ووصل إلى جزيرة العرب.</p> <p>ونرى في كلامك هذا مشابهة لبعض أصناف اليهود والنصارى التي تعترف بالإسلام ديناً للعرب. كما نجد في كلامك مشابهة لكلام بعض الفلاسفة الذين يعتقدون أن الإسلام جاء ممالئاً لعادات العرب.</p> <p>ونتساءل اليوم: هل برزت الشخصية العربية منفصلة عن الإسلام؟</p> <p>فما يزال العرب آخر الناس وأكثرهم حرباً فيما بين بعضهم، ولو بحثنا عن سبب لذلك لما وجدنا سوى بُعدهم عن الإسلام وتخليهم عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإسلام لم يأت بهدف منهم لتوحيد العرب، بل إن الإسلام رقاهم الى فوائد وميزات أخرى اكتسبها العرب من الإسلام، لكنهم حينما ضلوا عنها عادوا الى فتنتهم السابقة وديونهم القديم.</p> <p>إضافة الى ذلك يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن العرب من أصعب الأمم خضوعاً بعضها لبعض، وظهور النزاعات العربية أضرت حتى بالإسلام، فالنزعة المضرية والقحطانية والعدنانية هي التي أودت بالأندلس، وحتى اليوم نجد هذه النزعة منتشرة حسب المناطق.</p> <ul> <li>ثم نجده يسهب في الحديث عن بحث بعض الأفراد عن دين إبراهيم، كزيد بن عمرو ورحلته الى أطراف الجزيرة والموصل وبلاد الشام وسؤاله للرهبان والأحبار عن الحنفية (دين إبراهيم) ويقول: ((لابد أن تكون هذه " الأيديولوجية" التي كان يبحث عنها هؤلاء الأفراد من العرب أيديولوجية تحقق الهدفين: مواجهة الصراعات الداخلية، ومواجهة الخطر الخارجي الممثل في أعداد العرب من الفرس والروم لقد رحل زيد بن عمرو باحثاً عن هذه الأيديولوجية في " دين إبراهيم.))</li> </ul> <p>إن تحليلي يختلف عن تحليلك، إن زيد بن عمرو كان يبحث عن دين توحيد لا عن وثنية، فالمسيحية أصبحت لا تفترق كثيراً عن الوثنية بتأليه عيسى وروح القدس، فكأنه يقع فيما فرَّ منه. أما اليهودية فهي عنصرية متعالية، والحنفية تعني عبادة الله وحده فهداه عقله للتوحيد ولكنه لم يكن يعرف على أي مثال يعبد الله.</p> <p>ولا تنس أن كثيراً من عقائد الحنفية كان معروفاً في مكة، ولم يبتدئ الشرك إلا في زمن عمرو بن لحي الذي حرف في أسلوب التلبية: "لبيك الهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك" وهو الذي أدخل الأصنام إلى مكة لغرض تجاري لأن القبائل الأخرى كانت تعبدها (هبل من الشام) حتى أن النصارى العرب كانوا يحجون إلى البيت وكانت صورة للعذراء والمسيح في الكعبة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطمسها، فهل هذا يعنى أن أهل مكة كانوا مسيحيين؟ أم أنهم جمعوا رموز عبادات جميع العرب ووضعوها في الكعبة من منطلق تجاري، ثم دخل الشرك في الناس.</p> <p>ثم نجده يتكلم كلاماً غريباً عن تطبيق أحكام الشريعة إذ يقول: ((إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وثب على الواقع وتجاهل له، خاصة إذا تم اختزاله في مسألة تطبيق أحكام الحدود كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التي تطلق على نفسها اسم إسلامي. إن حصر غاية الدين وأهدافه في رجم الزاني وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر.. أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحي في تشريع هذه الحدود.))</p> <p>إن ما يخيفكم في الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات، بل والرغبة في إبقاء تلك المظاهر التي حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر.. وغيرها، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.</p> <p>لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة في التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.</p> <p>وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء في تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجاني حتى يقام عليه الحد، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط:</p> <p>أولها: أن يكون المال المسروق بالغاً لنصاب معين، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل.</p> <p>ثانيهما: أن يكون المال المسروق محفوظاً في حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.</p> <p>ثالثهما: ألا يكون للسارق شبهة تملك في المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.</p> <p>رابعهما: ألا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه، كشراء طعام أو دواء.</p> <p>وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟</p> <p>أو هي وثب على الواقع وتجاهل له؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والاتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط في إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.</p> <p>- ويعود الكاتب من جديد لتكرار رفضه لحقيقة حفظ القرآن في اللوح المحفوظ قبل نزوله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً من جديد أنه نتاج الواقع والثقافة، فيقول: ((إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقاً كاملاً مكتملاً فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجياً وذلك بتحويله من نص لغوى دال الى مجرد شيء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلاً لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل.))</p> <p>نشتم في هذا الكلام أنك تقول بأن القرآن مخلوق، ومصدر اللبس عندك هو نزول القرآن منجماً. وثانياً أنك تنكر علم الله الأزلي القديم، فكأن الله لا يعلم بالحوادث إلا عند وقوعها وهذا مذهب البدء عند بعض الفرق الضالة.</p> <p>نعم لقد نزل القرآن لتصحيح الأوضاع حتى تكون مطابقة للحق المراد من الله منذ الأزل، وقد احتوى من المرونة ما يجعله يستوعب المستجدات بكلماته المنضبطة ولذلك استحق التقديس.</p> <p>وسواء صحت الروايات أن الحروف بقدر جبل قاف أم غيره فنحن نعلم أنه كلام الله وعلمه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو كانت الأمور بعظم حجمها فكيف استوعبت (420) صفحة دستوراً خالداً وظل معيناً لا ينضب للاستنباط حتى يومنا هذا.</p> <ul> <li>وتأكيد لجدلية العلاقة بين النص والواقع يقول:</li> </ul> <p>(إن النص هنا وإن كان يتشكل من خلال تجاوبه مع الواقع ممثلاً في شخص محمد، يتجاوز ببنائه وتركيبه تلك المناسبة الجزئية. إن النصوص وإن تشكلت من خلال الواقع والثقافة تستطيع بآلياتها أن تعيد بناء الواقع. وقد رأينا كيف أن النص الذي يخاطب محمداً ويستجيب لهمومه يتجاوز موقف الاستجابة السلبي إلى محاولة صياغة واقع جديد)</p> <p>لقد بدأ خطؤك من الاستنتاج في البداية إذ أنك بدأت في الاعتقاد أن المشركين لا يعلمون أن الخالق هو الله، والدليل على عكس ذلك قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، فلم يكونوا ينكرون خلق الله لكل شيء ولكن كانوا يشركون معه في العبادة، فتدرج الله بهم من الحقائق التي يعرفونها إلى أخطائهم التي يمكن أن تنفي إذا علموا الحقيقة وقدروها حق قدرها، فما هو الداعي للشرك؟!</p> <p>أما المفهوم - المستوى الدلالي - فهو لم ينشئ واقعاً جديداً، فالألوهية حقيقة موجودة وإن جحدها الكافر أو غطاها، فالقرآن لم ينشئ واقعاً جديداً إنما أزاح التغطية عن الواقع والدليل على وجود هذه الحقيقة في نفوسهم أن المشرك إذا وقع في ضنك لجأ إلى الله فإذا كشف الله غمته عاد الى جحوده ونكرانه قال تعالى: ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق...)</p> <p>وقال تعالى (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مّر كأن لم يدعنا الى ضر مسَّه....).</p> <p>ولكنهم جحدوها واستيقنتها أنفسهم.</p> <p>ومنشأ هذا الخلط في تفكيرك أخذ القرآن مجزءاً والنظر إلى كل آية منفصلة عن غيرها وهذا من قبيل ضرب القرآن بعضه ببعض.</p> <ul> <li>ويرفض القول بتأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها بقوله:</li> </ul> <p>((بناء على هذا المعيار لا نستطيع أن نتقبل مثلاً ما يذهب إليه السيوطي من وجود نصوص في القرآن تأخر حكمها عن نزولها، أي نزلت النصوص أولاً ثم فرض ما فيها من أحكام شرعية وفقهية في مرحلة متأخرة غير مقارن لنزول النص.))</p> <p>نحن نريد أن نسألك عن النصوص التي نزلت في زمن مخالف لزمننا كيف تحكم عليها؟</p> <p>أليس بالعلة؟ فالعلة مدار الحكم وليس اللفظ فالألفاظ متناهية والوقائع غير متناهية.</p> <p>ومن جانب آخر: قد ينطبق النص على أكثر من حالة فهنا تطبيق وهناك تطبيق آخر.</p> <p>ثم إن القرآن كلام أزلي لم ينزل متفاعلاً مع الوقائع فقط (كما تدعي) وإنما هو في علم الله بأنه سيكون كذا وكذا. وإن تجريد القرآن عن وصفه الإلهي يدخلنا في أبواب جديدة هل هو حادث أم قديم؟ وكأنك تشير لرأي المعتزلة بأن القرآن مخلوق.</p> <p>ثم يقول: ((أما خصيصة مراعاة الفاصلة: فإنها يمكن أن تفسّر أيضاً في ضوء تشابه آليات النص مع آليات النصوص الأخرى في الثقافة (سجع الكهان والعرافين).</p> <p>كانت نبوءات الكهان والعرافين تعتمد على السجع، وكان للسجع من ثم دلالة في الضمير الثقافي على أن هذا الكلام ليس من كلام البشر الناطق به.))</p> <p>أولاً: نزل القرآن متحدياً للعرب بأساليب بيانهم المعروفة، فلوكان سجعاً لما خفي عن العرب الفصحاء ولسموه سجع الكهان.</p> <p>وثانياً: ليس القرآن كله متماثل الفواصل فهناك أماكن تتماثل فيها الفواصل وأخرى تختلف.</p> <p>إنه نسيج فريد من نوعه حتى أن علماء البلاغة بعد نزول القرآن قسموا علوم البيان إلى شعر ونثر وقرآن فلم يبلغ فصاحته حتى الحديث النبوي وإعجازه المجمع عليه جميع فقهاء اللغة هو الإعجاز البياني والأسلوبي، فدقة العبارة ووضوح الإشارة مع الاختصار قمة البيان، وذلك بمقارنته مع غيره من الكتب السماوية كالتوراة مثلاً.</p> <ul> <li>ويتحدث عن تفسير الحروف المقطعة لأوائل السور في القرآن الكريم:</li> </ul> <p>((ولو تخلى القدماء هوناً ما عن هذا الحرص الشديد على المفارقة بين النص والنصوص الأخرى لأمكنهم أن يفسروا (الحروف المقطعة) في أوائل السور تفسيراً يتباعد بها عن إشكالية (المحكم والمتشابه) ويربطها بالسياق الثقافي للنص، لكن ذلك كان مستحيلاً مع سيطرة الاتجاهات الغيبية التبريرية على تطور حركة الفكر الديني في تراثنا.))</p> <p>هل تفسير (الم) مثلاً سوف يزيد في علمنا أو ينقص وبالذات في تكليفنا، لو كان كذلك لما وسع الرسول إلا توضيحه، بل ومنزل القرآن سبحانه أشار الى أن هنالك متشابه (لا يعلم تأويله إلا الله)، وما دقت أعناق الرجال إلا في تتبع المتشابه الذي احتفظ الله به لنفسه. فالمحكم هو ما نحن مطالبون بتطبيقه، أما المتشابه فإعجاز إلهي، فما هي الجدوى من الاستطراد وراء تفسيره؟ مع أن بعض الباحثين في الإعجاز العددي في القرآن وجدوا أن هناك تناسباً بين الحروف المقطعة وعدد تكرارها في كل سورة، (إن كنا لا نؤمن بهذا النوع من التحليل لأنه ليس عربي الأصل) مع أنه رادع لمن يؤله العقل.</p> <ul> <li>وحول تحديد نزول النص مكيا أو مدنيا يقول:</li> </ul> <p>((كان من نتيجة عجز المفكر القديم عن ربط النص بالواقع والثقافة، وعن ربطه بغيره من النصوص، أنه راح يحاول الترجيح بين الروايات المختلفة حول تحديد ما إذا كان نص بعينه مكياً أو مدنياً، فهو يفترض أحد أمرين: الأول أن النص تكرر نزوله مرة في مكة ومرة في المدينة، والثاني أن النص نزل في مكة ولكن حكمه الشرعي والفقهي تأخر حتى المرحلة المدنية.))</p> <p>لقد اختلط على كثير من الناس أمر الآية (إذا نزلت مجملة) وأمر تفصيلها، فقد تنزل مجملة ثم يأتي التفصيل بالحديث لاحقاً لذلك، فيظن البعض أن الآية نزلت مرتين أو غير ذلك.</p> <p>فالنظرة الأحادية للتشريع الإسلامي تقود إلى أخطار مثل ذلك.</p> <p>فلا ينبغي أن نفصل بين مصدري التشريع، فالسنة شارحة للقرآن، فحينما فرض الله الصلاة، ترك أمر تفصيلها للرسول صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى: (لتبين لهم)، وبعد أن فصّل لنا عليه الصلاة والسلام قواعد الصلاة قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي".</p> <p>وبشكل عام كانت فترة مكة فترة ترسيخ للعقائد، والمدينة للتشريع وهذا لا ينفي أن يكون جزء من ذلك نزل هنا والعكس صحيح على قاعدة التدرج بالتشريع.</p> <ul> <li>ويعلق الكاتب على افتراض تكرر نزول الآية ويعتبره عجزاً عن مواجهة آراء السابقين بالنقد، وأن هذا العجز نابع من الإيمان بقداسة الأشخاص، ويعقب على ذلك في الهامش فيقول:</li> </ul> <p>((يمكن أن نرد هذا الموقف على المستوى الفكري إلى سيطرة الاتجاهات اللاعقلية بسيادة المنهج الأشعري في مجال العقائد والمنهج الصوفي في مجال السلوك.</p> <p>وفي ظل هذا الاتجاه صُنفت الاتجاهات الأخرى في الفكر الديني كالمعتزلة والشيعة والفلاسفة بوصفها اتجاهات منحرفة. ولم يبق سوى ما أطلق عليه "مذهب أهل السنة والجماعة" وكانت هذه فيما ندري أول صياغة لصك البراءة والطهارة - صفة السني - لاتجاه واحد من اتجاهات تراثنا الفكري.))</p> <p>لا غرابة أن تثور على أهل السنة، فالاعتزال واضح في فكرك وتحاول بكل الطرق إثارة الشبهات لإثبات أن القرآن مخلوق.</p> <p>ولا غرابة في أن الفكر العلماني اليوم يعلي من شأن المعتزلة وغلاة الصوفية المؤولة والشيعة والفلاسفة، فهدف الجميع معروف وهو التشكيك في صحة القرآن والحديث والتأويل المنفلت الذي لا يضبطه ضابط حتى يخرجوا بتأويلات مع ما وقر في صدورهم.</p> <p>فلا أدري هل علمانية اليوم اتفقت معهم أم توافقت؟ وهل بأجر أم بغير أجر؟ أم تشابهت القلوب فتطابقت الأعمال؟</p> <p>فنحن نلتزم بنصوص الكتاب والسنة، أما اجتهادات الفقهاء فهم رجال ومعرضون للخطأ، ولكن الاتجاه العام للسنة واضح من خرج عليه لم نعده منا، فالسنة اتباع وليست ابتداع، وفهم صحيح منضبط بقواعد علمية لا للهوى والنفس دخل فيها.</p> <ul> <li>ويفترض محظورا من موضوع القبول بتكرر النزول وهو:</li> </ul> <p>((إن افتراض نزول القرآن مرتين قد أدى إلى افتراض آخر مؤداه أن نصوص القرآن التي نزلت كانت عرضة للنسيان ومن النبي ذاته، ولذلك كان يحتاج مع تجدد وقائع شبيهة أن ينزل عليه جبريل مرة أخرى مذكراً له بالنص السابق الذي أوحي إليه به من قبل.))</p> <p>هذا خطأ واضح، والصحيح أن القرآن نزل كاملاً ثم نزل منجماً وفقاً للحوادث، وهذا أمر لم يختلف عليه المسلمون، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معصوم عن النسيان في أمور الرسالة والوحي وقد تكفل الله بتثبيت هذا القرآن في صدره دون حاجة لمجهود أو عناء منه لذلك قال له: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) وهذا سيف قاطع مشهر في وجه كل من يشك في أن الجمع أو الحفظ كانت تحوم حوله شبهة، بل إن من هم أدنى من مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم حفظة القرآن لم يكن النسيان يتسرب إلى حافظتهم، فالله جلت قدرته تكفل بحفظه حين قال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وإن من معجزات هذا القرآن أن يسره الله للحفظ والمذاكرة حتى لنجد الطفل الذى لم يبلغ الثامنة يحفظ هذا القرآن بكامله (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)</p> <ul> <li>ونجده في مكان آخر من كتابه يستشهد بنصوص من السيرة النبوية ليثبت الربط بين النص والأحداث أو ما يسميه بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. والنص الذي ينقله من السيرة يتحدث عن أهل مكة الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر الأول - وذلك بتحريض من أحبار اليهود، فقال لهم رسول الله: (([أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً.]</li> </ul> <p>إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطاً بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل النابع من الإحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. لقد كان تأخر الوحي نوعاً من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد في الغد دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه. لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهناً بإرادة محمد أو رغبته. ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء في مجال التفسير أم في مجال أسباب النزول.))</p> <p>أما الجواب: فمع احترامنا لكتب السيرة والتاريخ فإنها غير منضبطة.</p> <p>وإذا كنت قد تجرأت على لفظ اسم محمد مجرداً، وأن الوحي لا ينزل لرغبته فما أتفه تفكيرك حينما ترى أن الوحي ينزل في جدلية مع الواقع والأحداث، فالأحداث مخلوقة ومحمد سيد المخلوقات. وإن استطرادكم في جدلية الواقع والنصوص استطراد معلوم بدايته وهى نفي العلم الأزلي عن الله، والهدف هو فتح باب التأويل المنفلت منطلقين من الواقع، معاكسين بذلك رأي الفقهاء الذى ينطلق من الضرورة والحاجة المتفق عليها ويجدون ما ينطبق عليها من العلل في النصوص.</p> <p>وأما ما قلته عن تأديب المصطفي صلى الله عليه وسلم وتأنيـبه، فيكفينا شهادة الحق سبحانه وتعالى به: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان خلقه القرآن وهو يفتخر إذ يقول (أدبني ربى فأحسن تأديبي) فأنت والله الذي تحتاج الى تأديب، ألا ترى أن الله عز وجل حينما كان يعاتب نبيه في القرآن كان يتلطف معه ويفتتح العتاب بالعفو والصفح عنه. ألم تسمع ماذا قال له عندما أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة -43] أم عميت بصيرتك؟ فمن أنت حتى تتكلم عن رسول الله؟ ولكن يقول الله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [الحج -32] فمن أين نأتي لكم بالتقوى وهى لا تباع ولا تشترى؟.</p> <p>يكتشف من أول وهلة بأنه ينتهج أسلوب المستشرقين في كتاباته ونقده لمنهج وفكر الاسلام، حيث يتجه مباشرة الى مقارنة الفكر الاسلامي بالفكرين المسيحي واليهودي ويحاول إبراز طابع تخلف الفكر الاسلامي مقارنة بالفكر المسيحي واليهودي بعد أن تم تجديدهما والتخلص من هيمنة الكنيسة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت أوربا والغرب عموما خاصة بعد الثورة الفرنسية التي أدخلت المفهوم العلماني وفصلت الدين عن الدولة، وتم تهميش دور الكنيسة.</p> <p>ومع أن الفكر الاسلامي يختلف أساسا اختلافا جوهريا عن الفكر المسيحي واليهودي خاصة لما شاب الفكرين المسيحي واليهودي من تحريف وإفراغ من محتواهما الحقيقي فإن الكاتب لم يتوان في السير في الخط الاستشراقي لنقد الفكر الاسلامي متهما إياه بالانغلاق والعقائدية والتخلف وعدم التطور والتصلب الصارم، متجاوزا تناول مسائل الاجتهاد حتى وصل إلى مسائل العقيدة والتحليل لمعنى كلمات على أسس غير عربية.</p> <p>يتضح ذلك جليا من استخدامه كلمات ومعاني وعبارات غريبة كل الغرابة عن منهج اللغة العربية ويتغاضى عن معجزة الاسلام والقرآن أنه نزل باللغة العربية وأنه تحدى أعداءه بمحاولة الإتيان بمثله أو بجزء يسير منه، وترى في هذا الكتاب هذا الفيلسوف ينقد الاسلام بعبارات وكلمات يحاول اقحامها على اللغـة العربيـة لتوصيل الفكر والمعنى الذي يريده لقرائه من الغربيين الجاهلين بالإسلام، في حين أن أي مسلم إذا اطلع على كتبه يكتشف مدى جهله باللغة وأصول الدين، ويتضح ذلك من عبارات وكلمات مثل (الابستمويجية) والتي تعني في اللغة العربية (المعرفة)، وكلمة (الدغمائية) وكان يمكن أن يسميها (العقائدية)، و (السمانتيك) ويقصد بها (الرمزية)، و (الارثذوكسية) ويقصد بها التصلب الصارم، ولم يقف عند ذلك الحد بإضافة عبارات فرنسية وكنسية ولاتينية، بل تجاوز ذلك الى اضافة مصطلحات جديدة في اللغة مثل تسمية الاسلاميين (الاسلاماويين)، وعبارات لاتينية مثل (أوسكلاستكس) ويقصد بها (الفصلي) نسبة الى كلمة Schuol باللغة الانجليزية، وكلمة (اركلوجيا) ويقصد بها (علم الآثار والبحث العميق)، و (الفللوجيا) ويقصد بها فقه اللغة أو (فقه النصوص)، وغيرها من الكلمات والعبارات وهي غابة من المفاهيم والعبارات التي لها مرادفات عربية واضحة كان يمكن استخدامها وتقريب فهم القارئ للكتاب بصورة ميسرة وكأنه يريد إظهار العضلات باستخدام مثل هذه العبارات على حساب اللغة العربية.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=111&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="X2keJwxBSoaCXiyWW7AKPHKjU0AwRoabPUFib83Hk98"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:21:54 +0000 عمر عبدالله كامل 111 at https://okamel.com رد على أبي زيد | المقالة الرابعة https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9 <span>رد على أبي زيد | المقالة الرابعة</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:20</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/aby_zyd_4.jpg" width="620" height="280" alt="رد على أبي زيد | المقالة الرابعة" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><h4>" الوحي "</h4> <ul> <li>عملية لا تتحقق إلا بشفرة خاصة.</li> <li>الكهانة والشعر هما الأساس المعرفي للعرب لتقبل فكرة الوحي.</li> <li>في القرآن تداخل دلالي في استخدام الضمائر...!!!</li> <li>عملية الوحي أشبه ما تكون بعملية اتصال الكاهن بعالم الجن..!!</li> <li>الأنبياء صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية إلى الملائكة..</li> <li>هل كان الوحي القرآني باللفظ أم بالمعنى؟!</li> <li>إن تصور وجود خطي سابق للنص في اللوح المحفوظ يؤدي الى:</li> </ul> <p>إهدار جدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي..!!!</p> <p>ويتحدث عن ضرورة وجود شفرة خاصة بين الموحي والمتلقي:</p> <ul> <li>(الوحي عملية اتصال لا تـتحقق الا من خلال شفرة خاصة مشتركة بين المرسل والمستقبل.</li> </ul> <p>ونجد مثل هذا الاستخدام في القرآن في قصة زكريا، كان على زكريا أن يتصل بقومه، أن يعلمهم بطلب التسبيح دون أن يستخدم النظام اللغوي، فكان الايحاء بنظام آخر من الرموز كما ورد في القرآن).</p> <p>إن إشارة زكريا هي وحي من مخلوق إلى مخلوق، وهنا تصبح الإشارة وحيا بموجب إشارات متعارف عليها (بالأصابع - بوضع الأصبع على الفم للسكوت).</p> <p>لكن الوحي من المستوى الإلهي الى الانسان يختلف لأنه لا يوجد إشارات متعارف عليها، وهذا يقتضي التجسيم كما غرق المعتزلة في مسألة تعليم الأسماء لآدم وأنها تقتضي الاشارة</p> <p>فيجب أن نفصل بين الوحي "بين الله والانسان"، وبين الوحي "بين انسان وانسان".</p> <p>ويؤكد على اختلاف المرتبة الوجودية بين طرفي الوحي فيقول:</p> <ul> <li>(في الأمثلة السابقة لاحظنا أن عملية الاتصال كانت تتضمن مرسلا ومستقبلا ينتميان الى مرتبة وجودية واحدة (زكريا وقومه - مريم وقومها) والحديث عن الوحي في القرآن تكون فيه عملية الاتصال بين طرفين لا ينتميان الى نفس المرتبة الوجودية).</li> </ul> <p>كان عليك أن تستخدم عبارة: (مرتبة معرفية واحدة) بدلا من (مرتبة وجودية واحدة) لأن الاشارة لو كانت من مريم لغير بني قومها لأخذت شكلا مختلفا، لأن اشارات الشعوب تختلف بين بعضها.</p> <p>ويحاول ربط معرفة العرب بالشعر والكهانة بتصورهم لعملية الوحي فيقول:</p> <ul> <li>(أدرك العرب قبل الاسلام ظاهرتي الشعر والكهانة بوصفهما ظاهرتين لهما أصولهما في عالم آخر هو عالم الجن، وتصور العرب إمكانية الاتصال بين البشر والجن).</li> </ul> <p>إذا كنت تعني بعملية الاتصال بين الانسان وعالم الجن في ظاهرة الشعر ما أطلق عليه شياطين الشعر فهذه اسطورة لا ترقى إلى مرتبة الحقيقة والواقع، فالشعر عرف في الجاهلية والاسلام وفي العصور التي تلته وبيننا شعراء عظماء لم نسمع منهم أن لكل منهم جني (أو شيطان) يوحي اليه.</p> <p>ولو افترضنا جدلا أن للشاعر شيطانا فقد يكون من جنس الوسوسة التي لا يعلم الانسان حقيقتها.</p> <p>وها هو يؤكد ما قلناه من ربط بين معرفة العقل العربي للجن وظاهرة الوحي:</p> <ul> <li>(لقد كان ارتباط ظاهرتي "الشعر والكهانة" بالجن في العقل العربي، هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها، فكيف يمكن للعربي أن يتقبل فكرة نزول ملك من السماء على بشر مثله مالم يكن لهذا التصور جذور في تكوينه العقلي والفكري).</li> </ul> <p>ولماذا تؤكد على وجــود معرفة للجن في العقل العربي؟ هل لغـة العرب لم تكن تحوي اسم الملائكــة؟</p> <p>إن ظاهرة النبوة أقدم من ظاهرة الاتصال بالجن، فهي من زمن آدم، وما انقطع زمان إلا وفيه نبي والعرب أبناء النبيين ابراهيم واسماعيل، فلا دليل مادي يثبت أن موضوع الكهانة كان في ذهن العرب.</p> <p>ومن ناحية أخرى: لو كان العرب يصدقون الكهانة فلماذا استصعبوا موضوع الاسلام؟ هل كان علمهم أنه وحي من الله ثم يعترضون؟! فلماذا لم يعترضوا على أداء الكهان؟</p> <p>ان هذا المدخل قد يؤدي الى مزلق خطير وهو القول إن الوحي من الجن.</p> <p>ومن دلائل معرفة العرب بالنبوة والوحي والملائكة: مطالبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم تعجيزا أن ينزل الله عليهم ملكا رسولا، واتخاذهم الملائكة آلهة من دون الله.</p> <p>وتصورهم للملائكة إناثا واعتراض القرآن عليهم في ذلك.</p> <p>ولو كانت مسألة الكهانة والجن هي الأساس المعرفي للنبوة فكيف تنقلب النبوة ضد الأساس المعرفي وتدمره؟.</p> <p>ويتحدث الكاتب عن الآيات الأولى من سورة الجن فيقول:</p> <ul> <li>(نلاحظ هنا ذلك التداخل الدلالي في استخدام الضمائر، فالسورة تبدأ بمخاطبة الرسول، وما يلي ذلك حكاية لما قاله الجن بعد أن استمعوا الى القرآن، ولكننا نلاحظ أن الآية الرابعة في السورة تتسق مع ما سبقها من آيات السورة في دلالة الضمائر حيث يشير ضمير المتكلمين فيها كلها الى الجن، وذلك على عكس الآيات (5،6،7) حيث نلاحظ أن ضمير المتكلمين من الضروري أن يكون دالا على متكلم آخر غير الجن الا إذا اعتبرنا أن الآية تعتمد على التجريد).</li> </ul> <p>ألم تسمع بظاهرة الالتفات في البلاغة العربية؟ وما أكثرها في اسلوب القرآن الكريم وهي ظاهرة تعتمد على تغيير الضمير في الجملة الواحدة، من ذلك قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) فليس الأمر تداخلا للدلالات كما زعمت بل إنها بلاغة القرآن وتلك صورة من صور إعجازه ولو أنك درست الأسلوب القصصي في القرآن لما اعترضت هذا الاعتراض.</p> <p>ومن ميزة اللغة العربية هذا التداخل في الحكاية بين الماضي والحاضر وفي تغيير الضمائر وقد اعترف بذلك كبار المستشرقين، وقراءة هذه السورة تجعلنا نميز بين ما هو محكي على لسانهم وبين ما هو من كلام الله، وبين أجوبة الرسول لهم، ولا تنس أن الجن مشمولون بالرسالة.</p> <p>ويحاول التمييز بين صورتين للجن من خلال ورودها في سورتين في القرآن:</p> <ul> <li>(وفي سورة (الناس) نلاحظ تحول أحاديث الجن الى "وسوسة" يستعاذ بالله منها، فاذا عرفنا أن سورة (الناس) سابقة في ترتيب النزول على سورة (الجن) أمكننا أن نميز بين صورة الجن الخناس الموسوس وصورة الجن الذي يشبه البشر في انقسامه الى مؤمنين وكافرين).</li> </ul> <p>إن صورة الوسوسة نفسها نجدها في سورة الجن أيضا وفي الآية: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا). أليس هذا هو نفس المفهوم؟ ليس انتقالا ولا تدرجا في المعنى، بل حكاية على ألسن الجن، كانوا يقولون على الله شططا.</p> <ul> <li>ويستشهد الكاتب بأقوال ابن خلدون حول الأكوان والمخلوقات والاتصال بينهما.</li> </ul> <p>ونقول له: نحن لا نحتج بابن خلدون ولا بأمثاله على القرآن، فابن خلدون عالم تاريخ وعالم اجتماع، ولا عصمة له من الخطأ.</p> <ul> <li>ويميز بين اتصال الكاهن بعالم الجن واتصال النبي بالملأ الأعلى بقوله:</li> </ul> <p>(الاتصال ببعض العوالم يستوي فيه النبي والكاهن، والفارق بين اتصال النبي بالملأ الأعلى واتصال الكاهن، أن اتصال النبي قائم على نوع من الفطرة والخلقة أساسها الاصطفاء الالهي، بينما يحتاج الكاهن الى آلات وأدوات مساعدة تعينه على التخلص من عوائق العالم المادي).</p> <p>نقطة الخطأ عندك أنك اعتبرت أن الجن من الملأ الأعلى وليسوا كذلك، إنهم خلق مساو للإنس بل أقل درجة منه، والدليل على ذلك تصرف الإنـس في الجن، فهذا سيدنا سليمان عليه السلام كان الجن مسخرون لخدمته ومكثوا على ذلك حتى بعد موته، ومنه تسخير بعض الأولياء والصالحين للجن في قضاء حوائجهم.</p> <p>وقد أشار الله تعالى إلى خيرية آدم على إبليس واصطفائه عليه، فالمسألة في المفاضلة ليست في كثافة الخلق (من طين - من نار) وإنما باصطفاء الخالق.</p> <ul> <li>وينقل نصا عن ابن خلدون: (إن الأنبياء صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل).</li> </ul> <p>هذا كلام فلسفة، فالرسول يقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، هكذا أمره الله أن يقول. فلا يفترق الرسول عن البشر إلا فيما هيأه الله له لتلقي الوحي، أما حقيقة التلقي والتهيؤ فالله أعلم بها ولا يستطيع الإنسان إثباتها.</p> <p>ولماذا هذا الإصرار على ربط ارتقاء الرسول الى مستوى الملائكة مع أن هذا استعداد يهبه الله لمن يشاء، فقد ثبت في حديث المعراج تقدم الرسول على جبريل في شهود الملأ الأعلى وسماع الخطاب الالهي، ولسنا مضطرين للخوض في هذا الأمر إذ لايقدم ولايؤخر في حاجاتنا وضروراتنا.</p> <p>وان القول بانسلاخ الرسول من البشرية إلى الملكية قد يؤدي إلى مزلق آخر وهو انسلاخ الرسول إلى الألوهية، أو إلى الحلول والاتحاد كما فعل النصارى.</p> <ul> <li>وهو يميز بين اتصال قولي واتصال غير قولي في عملية الوحي:</li> </ul> <p>(إذا كان الوحي كاملا لايفهمه إلا طرفا الاتصال، فهو كلام بشفرة غير صوتية، بلغة غير اللغة الطبيعية، وفارق أساسي بين موقف الاتصال غير القولي وموقف الاتصال القولي في"الوحي")</p> <p>أولا: إن الخوض في هذا الكلام يؤدي إلى ضلالات لأننا نتحدث عن غيب.</p> <p>ثانيا: إن الوحي قد يكون بخلق العلم في الذهن، كما علم الله الأسماء لآدم، أفلا يجوز أنه سبحانه وتعالى خلق العلم في ذهنه؟ فلا داعي إذن لتأويل شفرة الاتصال بين المتلقي والمرسل.</p> <p>يجب علينا أن نعترف بعدم قدرتنا على ضبط حقيقة الوحي لأننا لم نمارس التجربة، وليس من شأننا المعرفة لأنها مسألة تصديق، إذ أن الإيمان بالكتب السماوية من أركان الإيمان التي هي اعتقاد دون إعمال عقل لأن محل الإيمان هو القلب.</p> <p>والخلط بين الأمور الغيبية وغيرها هو منهج الفلاسفة في الماورائيات، فالعقل غير مهيأ وغير مطالب بشكل المغيبات.</p> <p>أنت وغيرك من الفلاسفة تفكرون بالقوصية التي انتقلت من اليونان إلى الفكر الاسلامي وتخوضون فيها وهي الخوض بدون دليل شرعي في الغيبيات.</p> <ul> <li>ويطرح اشكالية "هل الوحي باللفظ أم بالمعنى" فيقول:</li> </ul> <p>(لكن الاشكالية طرحت عند علماء القرآن بطريقة أخرى، حين تساءلوا: ما الذي نزل به جبريل من القرآن؟ أهو اللفظ والمعنى؟ أم هو المضمون والمعنى؟ ثم وضع الرسول على كل ذلك رداء اللغة العربية؟).</p> <p>لقد قال الله تعالى "وهذا لسان عربي مبين"، فلا معنى للقول بنزول المعنى دون اللفظ.</p> <p>ودليلا آخر نلمسه في قوله تعالى: "نزله على قلبك"، فهو منزل بلفظه ومعناه على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بطريقة غيبية لا نعرفها، ولو قال على عقلك لكان اللفظ للنبي.</p> <p>ولا دور لجبريل في عملية الوحي سوى الإيصال ودليل ذلك قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين) فلم يقل: (قاله)، ونحن نتمسك بلفظ القرآن لا نحور ولا نفسر.</p> <ul> <li>ويعرض رأي الفريق الأول ويعبر عن رفضه له لافتراضه وجودا أزليا للنص في اللوح المحفوظ:</li> </ul> <p>(ذهب الفريق الأول إلى أن المنزل كان: اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به.</p> <p>والذي يهمنا هنا أن نلاحظه أن هذا الرأي يتصور للنص وجودا خطيا سابقا في اللوح المحفوظ، وفي هذا التصور ما فيه من إهدار لجدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي).</p> <p>هذه العبارة تنم عن جهل واضح بقدرة الله عز وجل وعدم اليقين بعلمه بما كان وما سيكون من الأزل</p> <p>والصفات التي لم يختلف عليها طوائف المسلمين وفرقهم هي: الحياة والقدرة والعلم.</p> <p>وإن ادعاءك الجدلية بين الواقع والله كأنك تنسب إلى الله عدم العلم بالأحداث إلا عند وقوعها. بل هذه أقوال فرق زاغت قبلك، وعليك إثم بعث هذه الأفكار من جديد.</p> <ul> <li>ويعلل لرفضه قبول وجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ بقوله:</li> </ul> <p>(لقد أدى هذا التصور للوجود الأزلي الكتابي للنص الى نتيجتين هامتين: النتيجة الأولى: المبالغة في قداسة النص وتحويله من كونه نصا لغويا دالا قابلا للفهم الى أن يكون نصا تصويريا).</p> <p>أولا: أنت تفصل بين الدلالة والتصور، وهذا مخالف لقواعد اللغة والمنطق، بل على العكس من ذلك إذ نهى الإسلام - في الأمور الاعتقادية - عن التصور والتخيل والتمثيل، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفكروا بآلاء الله ولا تتفكروا في ذاته) وعندما أراد الله عز وجل أن يصف لنا حقيقة الجنة جاء الحديث القدسي متنحيا عن التصور والتخيل والتمثيل حيث قال: (أعددت لعبادي ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ول اخطر على قلب بشر).</p> <p>ثانيا: نحن لا نبالغ بقداسة القرآن كما تدعي لأنه مقدس أصلا، وليست هذه القداسة خلعا منا عليه، يكفي أنه كلام الله عز وجل فهو في أعلى مراتب القداسة. وإن خضوعنا له يقتضي خضوعا لكلامه، ففي منطق الدنيا هل خضوعك لنصوص القانون يختلف عن خضوعك للقانون (مع الفارق بين الالزامية في النصين)؟</p> <p>ولكن بذرة هذا الشك جاءتكم من شك الغربيين في نصوصهم، فنزعوا عنها القداسة لعدم تطابقها مع الواقع ومع بعضها. وتريدون نزع القداسة عن القرآن مثلهم.</p> <ul> <li>ويقارن بين النص النبوي والنص القرآني بقوله:</li> </ul> <p>(ويمكن أن يكون ذلك مسئولا إلى حد كبير عن إعطاء الأولية في بعض مراحل تاريخنا الفكري والثقافي للأحاديث النبوية وذلك بوصفها خطابا بشريا قابلا للفهم من حيث اللغة والصياغة وذلك إذا قورنت بقداسة القرآن وأزلية لغته وتعبيرها عن ذات المتكلم سبحانه).</p> <p>هذا غير صحيح لأن الحديث لا يعتبر مستوى بشريا لأنه صلى الله عليه وسلم (لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)، ولكن الحديث جاء لتبين مجمل القرآن كما قال تعالى:</p> <p>(لتبين لهم)، فالسنة شارحة للقرآن موضحة له منعا للاختلاف، وفي حال الاختلاف أمرنا الله أن نرده إلى الله ورسوله.</p> <ul> <li>ثم يجعل لفظ الوحي لجبريل ولمحمد صلى الله عليه وسلم على اختلاف المرحلتين:</li> </ul> <p>(إن الرأي الثاني يجعل الصياغة اللغوية للوحي مهمة جبريل مرة، ويجعلها مهمة محمد مرة أخرى)</p> <p>ونقول ليست هذه مهمة جبريل ولا مهمة غيره، فالله أنزله بلسان عربي مبين كما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ.</p> <ul> <li>ثم يوضح عملية الصياغة التي تمت بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم بقوله:</li> </ul> <p>(إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب).</p> <p>إن كان كذلك فلامعنى أن ينزل به الملك لأن المعنى يمكن أن ينقل بدون واسطة، فلابد أن يكون الوحي باللفظ والمعنى معا.</p> <p>وكأنك بالإصرار على البحث في هذا الموضوع تهد مفخرة الاسلام الخالدة وهي القرآن حتى يترك لكم الحبل عل الغارب كما ترك لغيركم في الأديان الأخرى.</p> <ul> <li>كما يميز بين مرحلتي الوحي باعتبار اختلاف ماهية الوحي بين المرحلتين:</li> </ul> <p>(إن النص في هذا التصور كان نصا غير لغوي في المستوى الرأسي (الله - جبريل) ولكنه تحول الى نص لغوي في المستوى الأفقي (جبريل - محمد). ولا شك أن مثل هذا التصور يتناقض مع مفهوم النص من أنه رسالة لغوية لا يجوز المساس بمنطوقها أو تحريفها).</p> <p>مشكلتكم أنكم لا تميزون بين قدرة الله على الافهام بلغة وبدون لغة، وتربطون دائما بين التصور في الذهن وبين الكلام، مع أن التصور قد يكون بالنظر، فاللفظ مرتبط بحاسة السمع وعند الانسان حواس خمس، والعلوم اليقينية تبدأ من الحواس، فهل كل علم لم يأتنا عن طريق اللفظ مهدر، فما رأيك بالسنة الفعلية التي نقلت بنظر الرائين، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم).</p> <p>تفتحون أبوابا ولا تستطيعون إغلاقها!! لسنا بحاجة إلى ذلك في هذا الزمن الأغبر.</p> <ul> <li>ويعود الى الحديث عن شفرة الوحي:</li> </ul> <p>(إن هذا الإشكالية (طبيعة الشفرة اللغوية المستخدمة في حالة الوحي) لم تكن مطروحة على العقل العربي في مرحلة ما قبل الإسلام، وقد أدى إلى طرحها تطور العقل العربي واحتكاكه بثقافات أخرى، وهذا يؤكد طبيعة العلاقة الجدلية بين النص والثقافة).</p> <p>أنت تعتقد أنها اشكالية ونحن لا نعتقد ذلك، النبوة معجزة في حد ذاتها لا تخضع لقوانين. وكلمة النبوة مشتقة من التنبؤ الذي لا يكون إلا بالمغيبات، ولا دليل لنا على صحتها إلا ثقتنا في ناقله إلينا وهو الصادق الأمين.</p> <ul> <li>وينقل لنا تحليل ابن خلدون عن ظاهرة الانسلاخ من الإنسان إلى الملك فيقول:</li> </ul> <p>(وفي تحليل ابن خلدون افتراض ضمني بأن حالة التحول من البشرية إلى الملكية، تنفي الاتصال اللغوي حيث يكون التلقي رمزا من الكلام (الدوي) يتلقى من خلاله النبي المعنى الذي يصوغه هو بعد ذلك لإبلاغه).</p> <p>إن وصف كلام الله بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دليل على أن الوحي كان باللفظ والمعنى، ولو أن الوحي كان بالمعنى فقط لجاز التعبد باللغات الأخرى.</p> <p>لقد أثبت العلم أن التردد يختلف بين الموجات (الطويلة والمتوسطة والقصيرة) وأن صوت الترددات لا يفهمه إلا الجهاز المتلقي، وقد نكون في غرفة ولا نسمع هذه الذبذبات مع أن الجهاز المتلقي يلتقطها ويحولها إلى كلمات منطوقة مسموعة.</p> <p>هذا تمثيل علمي تقريبي ولله المثل الأعلى، بل إن صوت الإنسان يتحول في جهاز اللاسلكي من كلمات إلى ذبذبات ثم يعود ليتحول إلى كلمات في الجهاز الآخر المستقبل، هذه علوم البشر فكيف بقدرة الله!!!. كما أن الكمبيوتر وهو من انجاز البشر يستطيع أن ينقل مئة مليون كلمة في أربع ثوان من أي مكان في العالم.</p> <ul> <li>ويفصل لنا رأي ابن خلدون في التمييز بين حالتي الانسلاخ للملك والرسول فيقول:</li> </ul> <p>(وإذا كان ابن خلدون قد فرق بين حالتين على أساس أن حالة الانسلاخ إلى الملكية هي حالة النبوة، وأن الحالة الثانية هي حالة الأنبياء المرسلين، فهل يمكن لنا أن نفترض أن المرحلة المبكرة في الوحي كانت مرحلة (نبوة) فقط غير متضمنة للرسالة؟).</p> <p>أولا: لا يوجد فارق زمني كبير بين الآيتين (اقرأ - المدثر) فلا فائدة منطقية للفصل بين النبوة والرسالة من أجل أيام معدودة.</p> <p>ثانيا: أنا أصر على عدم الاعتراف بانسلاخ من البشرية ولا من الملكية، أو بالحلولية التي ادعتها النصارى.</p> <p>وكلمة المساواة بين المستويات الوجودية مرفوضة، فنحن لا نؤمن إلا بواجب الوجود وهو الله وجائز الوجود وهم المخلوقات.</p> <p>من الثابت قطعا أن القرآن كله نزل بطريقة الوحي بين الملك والرسول لفظا ومعنى، أما ما جاء من كلام جبريل فهو مطروح في الأحاديث حيث كان يتنزل بالمعنى من عند الله،</p> <p>فالقرآن يتعبد بتلاوته بخلاف الحديث القدسي الذي يكون فيه اللفظ للرسول والمعنى من عند الله ويبقى القرآن متفردا بأنه من عند الله بلفظه ومعناه.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=110&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="4YwCitEo5FUNDhax1CoyAGqxAZoUg2oOk_rqUm9bLi8"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:20:34 +0000 عمر عبدالله كامل 110 at https://okamel.com رد على أبي زيد | المقالة الثانية https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9 <span>رد على أبي زيد | المقالة الثانية</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:17</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/aby_zyd_2.jpg" width="620" height="280" alt="رد على أبي زيد | المقالة الثانية" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><h5>تراثنا: تراث رجعي</h5> <ul> <li>تطبيق الشريعة وثب على الواقع</li> <li>نص مطلق وواقع مطلق</li> <li>تيار التجديد في مواجهة التراث والتقليد الأعمى.</li> </ul> <p>في حديثه عن التراث يقول: ((إن التراث الذي حفظوه لنا هو التراث الرجعى، ما عسانا نحن اليوم أن نفعل استجابة لتحدى اليوم بوصفنا دارسين وباحثين؟</p> <p>يذهب البعض مثلاً الى أن خلاصنا الحقيقي يتمثل في العودة الى الإسلام بتطبيق أحكامه وتحكيمه في حياتنا كلها.</p> <p>وأصحاب هذا الاتجاه لا يكادون يقدمون لنا مفاهيم كلية أو تصورات للتغير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.))</p> <p>أولاً هذا ادعاء باطل، فقد تضافرت جهود علماء الاقتصاد المسلمين لاستنباط أحكام وبدائل تتلاءم مع احتياجات المجتمع المسلم ولا تتعارض مع الدين في مجالات عديدة، وهذه البنوك الإسلامية مازالت في بدايتها ومع ذلك حققت نجاحات كبيرة، وليس أدل على نجاحها من تعامل البنوك الغربية بنفس الأساليب فهذه البنوك البريطانية والأمريكية تقيم صناديق استثمار وفروعاً لأعمالها تعمل بالأساليب الإسلامية من مضاربة ومرابحة وغيرها.</p> <p>أما المثال الثاني: فهي شركات التأمين الإسلامية التي أصبحت في سنوات معدودة من أكبر الشركات في مجال التأمين، وأدت الغرض والحاجة وغطت الأضرار، بل إنها وصلت الى حد إنشاء سوق رأسمال ثانوي إسلامي (الأسهم والسندات) بل ولك أن تعجب أن رؤوس الأموال الغربية بدأت تقتنع بشركات الإصدارات والصناديق الإسلامية، وتضع أموالها فيها، لو لم تكن تلك الشركات والصناديق الإسلامية ناجحة فما الذي دفع أولئك الغربيين لإيداع رؤوس أموالهم فيها؟</p> <p>المشكلة معكم أنكم لا تدرسون بحيادية تامة كل ما ينسب الى الإسلام، ثم بعد ذلك تصدرون أحكاماً في الهواء. العديد والعديد من الدراسات الاقتصادية الاسلامية أجريت ولم تكلفوا أنفسكم عناء الاطلاع عليها.</p> <p>أما في الجوانب الاجتماعية والسياسية فما أكثر الاجتهادات والكتب، بل والتطبيقات الإسلامية التي وضعت، فعلى سبيل المثال أي نظام يحتاجه المجتمع ولا يوجد في النظام السعودي ما يخالف أصول الشريعة. فهذه الأنظمة موجودة وشاهد عيان على إمكانية تطبيق القواعد المنظمة لحياة البشر في ضوء أحكام الإسلام.</p> <p>ثم نجده يتكلم كلاماً غريباً عن تطبيق أحكام الشريعة إذ يقول: ((إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وثب على الواقع وتجاهل له، خاصة إذا تم اختزاله في مسألة تطبيق أحكام الحدود كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التي تطلق على نفسها اسم إسلامي. إن حصر غاية الدين وأهدافه في رجم الزاني وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر.. أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحي في تشريع هذه الحدود.))</p> <p>إن ما يخيفكم في الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات، بل والرغبة في إبقاء تلك المظاهر التي حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر.. وغيرها، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.</p> <p>لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة في التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.</p> <p>وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء في تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجاني حتى يقام عليه الحد، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط:</p> <p>أولها: أن يكون المال المسروق بالغاً للنصاب الشرعي، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل، لقوله صلى الله عليه وسلم "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا".</p> <p>ثانيهما: أن يكون المال المسروق محفوظاً في حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.</p> <p>ثالثهما: ألا يكون للسارق شبهة تملك في المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.</p> <p>رابعهما: ألا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه، كشراء طعام أو دواء.</p> <p>وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟</p> <p>أو هي وثب على الواقع وتجاهل له؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والاتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط في إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.</p> <p>ثم نجده يورد عبارة النص والواقع (المطلق) حيث يقول: ((إذا كان هذا الحل السلفي يتنكر لمقاصد الوحي وأهداف الشريعة حين يفصل بين النص والواقع، وذلك بالمطالبة بتطبيق (نص مطلق) على (واقع مطلق)، فإن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم، وقد يكشف القناع عن حقيقة الوجه الرجعى لهذا الفكر وامتداداته في التراث، وحقيقة عدم انفصاله عن تيار ثقافة الطبقة المسيطرة، تيار الثقافة الرسمية.))</p> <p>عجيب أمرك وأنت أستاذ للغة، أين النص المطلق؟ وأين الواقع المطلق؟ إذا كان النص في القرآن مطلقاً فقد خصص في الأحاديث والاستنباط، فمنذ أن شرع حد الزنا لم يقم الحد إلا بالاعتراف حتى يومنا هذا، بل وكان من فقه عمر أن راعى روح النص عند إيقاف حد السرقة عام الرمادة. إن تجاوزك للواقع وقفزك على مقاصد الشريعة جلي واضح، ولو درست نظرية المقاصد في الإسلام، والقواعد الكلية الضابطة للأحكام الجزئية لعلمت مدى السعة التي تتسم بها الأحكام الشرعية، فهي مرنة وقابلة لاستيعاب مستجدات كل عصر، ألا يكفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، وألا يكفي تلقين المصطفي صلى الله عليه وسلم للزاني حجته حتى يستر على نفسه؟ فالمتفحص المدقق للحدود الإسلامية يجد أنها منصبة على الإشهار والاستهتار بالمجتمع وحقوقه العامة، أبعد هذا يسر وتسهيل؟.</p> <p>وعن تناول التراث في مواجهة تيار التجديد يقول: ((تيار التجديد: هو تيار يرى أننا لا يمكن أن نقلد القدماء، والتراث الذي ورثناه عنهم هو تراث مازال يساهم في تشكيل وعينا ويؤثر في سلوكنا بوعي أو بدون وعي. وإذا كنا لا نستطيع أن نتجاهل هذا التراث ونسقطه من حسابنا، فإننا بنفس القدر لا نستطيع أن نتقبله كما هو، بل علينا إعادة صياغته، فنطرح عنه ما هو غير ملائم لعصرنا.))</p> <p>إن من دلالة كلمة (التجديد) أنه ليس ابتداعاً بل هو تجديد لأصل القديم وجعله صالحاً للاستخدام فقد قال المصطفي صلى الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" وهذا يعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن المستجدات تحتاج الى استنباط وإنزال العلل على المستجدات، والفقه الإسلامي في مجال الاستنباط والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة ودرء المفاسد لم يأل جهداً في إيجاد الآيات التي تجعل التجديد أمراً ميسوراً. وأنتم تعكسون الآية دائماً فبدل أن تحددوا الضروريات والحاجيات تحديداً عقلياً واضحاً منضبطاً يمثل حالة الجماعة وليس هوية الأشخاص حتى تستنبط لها الأحكام، نجدكم تريدون أن نترك الأمر برمته ونغير جلدتنا بدعوى الإصلاح والحداثة.</p> <p>لماذا لا تستنكرون على العلوم أن تبنى القواعد بعضها على بعض، وحينما نأتي الى التشريع يصعب عليكم ذلك؟</p> <p>فما هو الضير أن يبنى حكم جزئي على قاعدة كلية فننتقل من أمر مسلٌم ديني الى أمر مقاس عليه، ومع ذلك لابد أن نعلم أن الاجتهاد يجب أن يبقى مقصوراً في مجال المعاملات، أما العبادات فتوقيفية ولا مجال لنقاشها، وقد يسر الله أمرها في الحالات التي احتاجت الى تيسير مثل السفر والمرض وغيرهما، فهذا الباب لن نفتحه وليس لنا أن نفتحه، فأركان الإسلام وأركان الإيمان لا نسمح لأحد أن يعبث بها.</p> <p>ويتابع هجومه على التراث ويصفه بالزيف ويدعو الى التخلي عن التغني به فيقول:</p> <p>((إن التجديد على أساس "ايديولوجي" دون استناد الى وعى علمي بالتراث لا يقل في خطورته عن "التقليد". والعلم نقيض التغني بالأمجاد الزائفة والفخر بإنجازات لم نساهم في صنعها. إن إنتاج وعى علمي بالتراث يستلزم من الباحث كثيراً من الجرأة والشجاعة في طرح الأسئلة، ويستلزم منه جرأة أشد وشجاعة أعظم في البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة.))</p> <p>هذا كلام العلمانيين وقد ردده قبلك أركون وغيره، فكأنكم متفقون على ضرب الدين ولكن بعبارات مختلفة، إن النصوص الدينية "القرآن والسنة" هي لله سبحانه وتعالى وهو الوارث الحي فوحيه لا يورث فتعاملكم مع هذه النصوص لابد أن يقف عند حدود. إن البحث في النصوص الأصلية والعبث بها بطرق البحث الغربي والماورائيات وغيرها من الأساليب لا يجوز. إنما المسموح به هو فهم هذه النصوص وفقاً للقواعد المعترف بها في أصول الفهم "أصول الفقه" وهو علم عربي أصيل. نحن أمة تلقت الوحي ومهمتنا فهم هذا النص الذي نزل به الوحي بقواعد يشترك فيها الجميع لأن المخاطب بالتكليف هو العقل وليس الخيال.</p> <p>ويضع الكاتب هدفين لدراسة مفهوم النص فيقول: ((أولهما إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها في الوعي الحديث والمعاصر نتيجة لعوامل كثيرة أدت الى الفصل بين محتوى التراث وبين مناهج الدرس العلمي. وقــد درس اللغويون والنحويون النص القرآني وظلوا رغم ذلك لغويين ونحاة.)) .</p> <p>فماذا تريد منهم أن يكونوا؟ إن أولئك اللغويين والنحويين الذين تحدثت عنهم كانوا مفسرين الى جانب كونهم نحاة ولغويين وخذ مثالاً منهم الأخفش والزمخشري وغيرهما، فقد درسوا النص القرآني من كل جوانبه الفقهية والإبداعية والإعجازية، فما هو اعتراضك عليهم؟ هل تعيب عليهم أنهم لم يستنبطوا أحكاماً؟ فاعلم أن الدراسات الأدبية لا تستنبط أحكاماً. ومن قال لك لا تدرس البلاغة في القرآن؟ لكن الإتيان بأساليب غير عربية ودراسة القرآن على أساسها مرفوض. فمادام التعبد لا يجوز إلا بالعربية فلا تجوز الدراسة إلا بالأسلوب العربي.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=108&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="Q7AUshtHZyf3tCyE8KRI42tB4Xkp5wNXx7CMCY1aR4E"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:17:01 +0000 عمر عبدالله كامل 108 at https://okamel.com دور الوحي في بناء الحضارة الإسلامية https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AD%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9 <span>دور الوحي في بناء الحضارة الإسلامية</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:09</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/alo7y.jpg" width="640" height="360" alt="دور الوحي في بناء الحضارة الإسلامية" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>بسم الله الرحمن الرحيم<br /> الحمد لله الكريم الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم.</p> <p>والصلاة والسلام على النبي الأعظم، الذي ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.</p> <p>وبعد:</p> <p>فإنها حضارة الإنسان لا حضارة البنيان.</p> <p>قبل نزول الوحي كان في مهبط الوحي (مكة) حضارة تناهز الحضارات العالمية، فكانت أكبر مركز تجاري في العالم يربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، وآسيا بأفريقيا والعالم القديم.<br /> ولكنها كانت حضارة مادية صرفه، وبأخلاق مادية ظالمة، ليس ظلم البشر للبشر فقط، ولكن ظلم الإنسان لربه إذ يخلق ويعبد غيره.</p> <p>لقد كان الشرك متفشياً، والقيم غاب جزء كبير منها إلا ما كان متجذراً في طينة العرب كالكرم والشرف، أما العدل والإنصاف فكانت بيد القوي، ولم يكن للضعيف مكان يذكر.</p> <p>وكان الإنسان يسترق الإنسان، ويصادر حريته الفكرية والدينية.</p> <p>وسنعود لاحقا لهذه الفترة وخصوصا الإيلاف.</p> <p>لقد كان هناك رمز لهذه الحضارة التي ستبنى على الوحي، فهي لم تنزل على ملك، ولم تنزل على غني، أو على أحد أرباب الدنيا، أو رجل من القريتين عظيم، لكنها نزلت على الصادق الأمين الذي كان دليل صدق الرسالة، فلم يعرف عنه الكذب والخيانة لذلك صُدّق فيما أبلغهم بالرسالة حتى من لم يؤمن لم يستطع أن يصف محمدا بالكذب مصداقا لقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}، فالتمهيد لهذا الوحي هو الأخلاق، وكأن عنوان الرسالة هو الأخلاق (أخلاق الإنسان). فالصدق والأمانة هما عنوان هذه الحضارة.</p> <p>إن الشروط الأساسية لبناء أية حضارة هي الأخلاق بكل معانيها، والعلم بكل معانيه الديني والدنيوي، والحرية باتساعها المنضبط وفي مقدمتها حرية الدين والمذهب والفكر، فالعقل المقهور لا يمكن أن يكون مبدعا، والعقل الذي تحده الخطوط الحمراء والصفراء والخضراء بأطيافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعصبية المذهبية كلها قيود تحد من إبداعه، ولا حضارة ولا تقدم بلا حرية، وقد قال المولى سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، وقال: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} فبعد أن وضح لهم الوحي الغي من الرشاد ترك الحرية للعقل البشري الذي احترمه الوحي، فلم يوجد دين في الأرض متسامح تسامح الإسلام.<br /> أما الأخلاق فقد قال فيها المولى عز وجل مادحا الرسول المبلغ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.</p> <p>وقال عنه: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}</p> <p>وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}</p> <p>إن هذه الأخلاق التي تمثلت في المصطفى كانت مفتاح إقبال الناس على هذا الدين الذي جاء يوازن بين الدنيا والآخرة.</p> <p>وأما العلم فقد نزل القرآن الكريم في أول آياته:</p> <p>{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}</p> <p>فإذاً أعلى مقاصد الرسالة هو العلم والقلم الذي به يتعلم الإنسان.</p> <p>وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}</p> <p>وقال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}</p> <p>وهو تعليم إلهي على أن نسأل من هم أعلم منا بلا عيب ولا تردد ولا خجل، فإن ذلك خير من الوقوع في الخطأ.</p> <p>لقد نزل الوحي بآية قيل عنها أجمع آية في القرآن وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، يا له من ميزان عظيم يشمل الخلق أجمعين!!! وهل غاب عن الأرض إلا العدل والإحسان؟ وهل غاب عنها إلا أن يردع الباغي والفاحش والمتفحش ونهي صاحب المنكر؟! لو استقامت البشرية على هذه الآية لصلح حالها.<br /> اسمعوا إلى قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين ضرب شريف من أشراف قريش (ابن عمرو بن العاص) رجلا قبطيا قال الخليفة الراشد بعد أن علاه وعلا أباه بالدرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا يا له من عبقري قوي! و يا لحاجتنا اليوم لمثل هذا القوي!</p> <p>لقد أعطت الشريعة الإسلامية لكل ذي حق حقه، وعلى رأسها جعلت العفو والإحسان، قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}.</p> <p>ولقد دعانا إلى التفكر والتدبر، وأثنى على المتفكرين فقال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} بل جعل التدبر من مقاصد الوحي وغاياته فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}</p> <p>لقد دمر الإسلام الشرك ابتداء من الأصنام والطواطم والكواكب وكافة الطواغيت، حتى أعلى هذه المعبودات من دون الله ألا وهو (الهوى).<br /> ولذلك نهانا عن اتباع الهوى فقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}</p> <p>لأن الهوى أخطر من وسوسة الشيطان لأنه نابع من النفس الأمارة بالسوء الساكنة في أجسادنا، فأين المفر منها إلا بقمعها؟</p> <p>ألم يقل الله عز وجل: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}</p> <p>فالهوى إله يعبد من دون الله، ولكنه خفي كخفاء النملة على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء، وذلك لشدة الخفاء.</p> <p>هؤلاء الذين قال عنهم المولى سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}</p> <p>ويجب ألا ننسى أن عمود الدين هو التوحيد (لا إله إلا الله) وهي علم إذ قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}</p> <p>إن هذا العلم عميق ومهم وهو ما تدور عليه دراسات العقيدة بمجملها، وهو الذي افترقت فيه الأديان والمفاهيم، فمن لا يعلم بأمور العقيدة ولا يدرسها ناقص العلم لأنها أصل الدين، وما بعث الأنبياء أجمعون إلا بها.</p> <p>إن الحضارة التي بناها الإسلام هي حضارة تزكية النفس، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، وهي دعوة صريحة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة وترك الأخلاق الرذيلة.</p> <p>وقد امتدح الوحي المؤمنين الذين اتصفوا ببعض الصفات ومنها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، فما أعظم هاتين الآيتين، فحياتنا اليوم انقلبت إلى اللغو، فمن لا يفهم بعلم من العلوم يتكلم فيه، ومن لا يفهم بالسياسة يتحدث بالسياسة، وارتفعت أصوات اللاغين، وخبت أصوات المتخصصين.<br /> انظر إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) فقال فاعلون لأنهم الذين ينتجون ويعملون حتى يكون لديهم المال الذي يزكون منه. أما الكسالى والنائمون فكيف يؤدون الزكاة إذا كانوا لا يملكون نصابها أصلا؟.</p> <p>ونهانا عن الغضب والغيظ فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فالنهي ليس فقط عن الغيظ، بل الأمر بالعفو عن الناس، وزاد: (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).</p> <p>وجعل الكذب نقيضا للتقوى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}، فالتقوى والصدق متلازمان، ولا يتصور أن يكون الرجل تقيا وهو ليس صادقا.</p> <p>لقد سار زمن الرسالة ثلاثة وعشرين عاما ورسول الله يعلم الناس حسن الخلق حتى قال: "الدين المعاملة" وقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له.<br /> ولو حسبنا المدة التي استغرقتها الغزوات النبوية (التي كان معظمها دفاعيا) نجدها لا تساوي 4% من زمن الدعوة النبوية التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما. أما الباقي فكان في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}</p> <p>وحينما تخلق المسلمون بهذه الأخلاق العظيمة دانت لهم الأرض والأمم، ودخلوا في دين الله أفواجا، وكانت لهم حضاراتهم في كل موطن يطؤونه، فقامت حضارات سامقة في مصر وبغداد والشام والأندلس والمغرب والشرق وفي كل مكان في المعمورة في زمن كان العالم يغط فيه بظلام دامس، وجهل متفشي.</p> <p>لقد كان المسلمون يأخذون من الحضارات السابقة ويبنون عليها ويزينونها، ويشيدونها على أسس من أخلاقهم التي علمها لهم الصادق الأمين.</p> <p>وأنبأنا الوحي أن الحياة كد وجهد وتعب، فهي تحتاج إلى الصبر، فقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.<br /> فيالها من بشارة إذا أدركنا أن هذا كلام المولى سبحانه وتعالى، فطوبى لمن قبل بشارة مولاه.</p> <p>فلا يضجرن شعب من شعوب المسلمين بضيق العيش لأن العاقبة هي الفرج لقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ولن يغلب عسر يسرين كما قال المصطفى</p> <p>ولم يكتف الوحي بأن يكون كلاما بل جعل لنا مثالا وأسوة وقدوة حية لنا ألا وهو رسول الله فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}.<br /> فمن أتى رسول الله بعقله وروحه وفؤاده فلا بد أن يتخلق بأخلاقه وشمائله وفضائله بداعي الحب. وكم هذب حب رسول الله من نفوس.</p> <p>ولقد أعطانا المصطفى في الحديث ميزانا نزن به أعمال الدنيا والآخرة فقال: "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء".</p> <p>فلو استحيينا من ربنا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من نبينا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من علمائنا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من والدينا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من مجتمعنا لما فعلنا ما فعلنا... تالله إنه لميزان عظيم!!!</p> <p>وأمرنا الوحي بالوسطية في الحياة فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}، إنها الوسطية التي غابت عن كثير من المسلمين بين مفرط ومفرّط.<br /> وليست الوسطية في الدين فحسب بل حتى في معايش الدنيا فلا بخل ولا تبذير قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، وقال: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، لأن من بذر يقع في الحسرة، ومن بخل فاتته فضائل كثيرة واقترب من عبادة الدرهم والدينار.</p> <p>ولأن المسرف لا بد وأن تضيق حاله فينكر نعمة ربه، ويكفر بما أنعم الله عليه.</p> <p>وشبيه بالمبذر الذي يرائي بإنفاق الأموال، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ}.</p> <p>وفي هذا العصر الذي يسارع الناس فيه إلى الكلام بلا روية، وإلى رفع الأصوات، وغفلوا عن أمر مهم هو تعلم الإنصات والاستماع فهو علم أهم من الخطاب، وبشرنا عن ذلك فقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.<br /> فإذا لم تفهم فكيف تفكر؟ واللب فوق العقل، وفوق القلب، ونادرا ما يوصف به أحد، ولذلك فقد ورد في مواضع قليلة في القرآن الكريم.</p> <p>ونهانا عن قول الزور الذي انتشر في هذا الزمان سواء كان بتزيين البضائع بما ليس فيها، أو بتزوير الحقائق عما هي عليه. فقال: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.</p> <p>ومقت الذين يأمرون الناس بالبر ولا يأمرون أنفسهم، فالبداية يجب أن تكون من نفس الإنسان، فيبدأ بذاته، ثم ينتقل إلى غيره، فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.</p> <p>ونهانا عن تعاطي الكسب الخبيث، فقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}، فسدّ طرق أكل الأموال بالباطل جميعا سواء كان بطريق الربا أو الاحتيال أو النصب، أو الغش أو الرشوة، وكل ما يؤدي إلى ذلك.</p> <p>وبالمقابل دلنا على البديل الأصلح من أكل أموال الناس بالباطل سواء بالربا أو غيره فقال: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، لكنه لم يحرم علينا كل شيء، فأباح لنا أكل الطيبات، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}.<br /> وإن سبيل هذا الكسب الطيب هو الإتقان، قال المصطفى: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". أين نحن اليوم من هذا الإتقان؟! فقد سبقتنا الأمم لأننا أهملنا هذا الحديث.</p> <p>وحثنا على العمل فقال: "من أمسى كالّا من عمل يديه أمسى مغفورا له"، فلا عطالة ولا تبطل في الإسلام، وعلى كل مسلم أن يعمل ليكفي أهله ومن يعول.</p> <p>ولم يكتف النبي بالعناية بشؤون المسلمين فيما بينهم، بل تعداه إلى غير المسلمين أيضا فقرر حقوق غير المسلمين من أهل الذمة والمعاهدين، وحذر من إيذائهم والاعتداء عليهم فقال: "من آذى ذميا فأنا خصمه".</p> <p>لقد رفع الإسلام مبدأ المساواة بين الناس، فالناس سواسية كما يقول المصطفى: "الناس مستوون كأسنان المشط" ويقول: "لا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى".</p> <p>إن هذا الوحي الذي يقول للناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فأرادنا الله عز وجل أن نتعارف بشتى أنواع المعرفة، ولم يقل لتتقاتلوا، أو لتتظالموا.<br /> يا له من رب كريم حيث يقول في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"، يا له من رب رحيم حيث يقول في الحديث القدسي: "سبقت رحمتي غضبي"، له الحمد والشكر والثناء الحسن الجميل أن أرسل إلينا الرحمة المهداة محمد بن عبد الله فعلّم الدنيا في ثلاثة وعشرين عاما القيم التي درست، والأخلاق التي اندرست حتى قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". و (إنما) أداة حصر، ولذا كانت الأخلاق هي محور الرسالة: الأخلاق في التعامل مع الجميع ابتداء من المولى سبحانه وتعالى، ثم مع الكبير والصغير، مع الغني والفقير، مع الرئيس والمرؤوس، مع الطفل والزوجة والأرحام والجار...</p> <p>علّمنا الرأفة والرحمة التي وصفه بها المولى سبحانه حين قال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، وجعل أقرب الناس منه مجالس يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً حيث قال: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون"، يا له من وصف عظيم لا يتحلى به إلا مؤمن كامل الإيمان حتى يستحق هذا القرب من الرحمة المهداة.</p> <p>إن الله عز وجل يريدنا أن نكون رحماء بأنفسنا وأهلنا، رحماء بالخلق أجمعين، بالحيوان وبالشجر وبالحجر. هكذا علمنا المصطفى حين قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "</p> <p>وأرادنا أن نكون متماسكين متعاونين متضامنين فقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "</p> <p>ومما ينبغي الالتفات إليه أن الدولة الإسلامية انتشرت بالقوة العسكرية لتهيئ المناخ الصالح لحرية التدين، لكنها لم تجبر الناس على الدخول في الدين.<br /> ولكن القلوب انفتحت للدعاة إلى الدين من أولياء آل البيت والصحابة والصالحين فدخل الإسلام إلى مناطق عديدة بلا حرب، وإنما بالدعوة السلمية والأخلاقية، فكان كل منهم نموذجا مصغرا للإسلام، وكأنه قرآن يمشي على الأرض اقتداء بإمامهم المصطفى الذي قالت عنه السيدة عائشة t: "كان خلقه القرآن "</p> <p>وهنا تظهر خصوصية الحضارة الإسلامية حيث اهتم الإسلام بالعقل والحرية والإرادة حتى في الدين إذ قال الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، فقد أبان المصطفى الرشد من الغي وترك للناس حرية الاختيار.<br /> وفي زمن العسرة بمكة عند بدء الوحي لم يكن المصطفى يطلب من قريش بعد أن عذبوه وضيقوا عليه إلا أن قال: "ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب" أي لم يقفوا حاجزا يسيطر على عقول الناس، ويدعوهم يختارون ما يشاؤون.</p> <p>نعود إلى مسألة الإيلاف:<br /> لقد بنى هاشم جد المصطفى لقريش مجدا خلده القرآن في سورة قريش بقوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ}.</p> <p>وما أدراك ما هذا الإيلاف؟ إنه أول تجارة ترانزيت مأمونة في عالم الغاب أقامها جد المصطفى (هاشم) إذ عقد اتفاقيات التجارة مع الشمال والجنوب (الروم واليمن)، والشرق مع الغرب (مصر والعراق وفارس).</p> <p>فأكثر الناس يتذكرون رحلة الشتاء والصيف، وينسون الرحلات الساحلية التي اختار فيه جد النبي (هاشم) ميناء جدة للتجارة الساحلية.</p> <p>وفي بعض الآثار: امتن الله على قريش إذ يسر لها ميناء جدة تصب فيه قوافلهم.</p> <p>ولذلك نجد أن مدينة جدة قد بنيت على ثلاث حارات رئيسية هي:</p> <p>1- حارة الشام: وتحط فيها قوافل الشام.</p> <p>2- حارة اليمن: وتحط فيها قوافل اليمن.</p> <p>3- حارة البحر: وتحط فيها واردات البحر وصادراتها.</p> <p>كما جاء في الآثار أن سيدنا عثمان بن عفان وقف على منطقة تسمى الآن (بحيرة الأربعين) واختارها ميناء وقال: إنه ماء مبارك.</p> <p>وبرغم هذه الحضارات التي بناها أجداد المصطفى الذين قال عنهم رسول الله "أنا خيار من خيار من خيار "، وقال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما "فقد كانوا مثالاً للأخلاق والكرم والجود، فيا لطيب العنصر: أبوهم إبراهيم عليه السلام، وواسطة عقدهم محمد، وفرعها آل البيت الذين نشروا العلم في أصقاع الكرة الأرضية.</p> <p>إن هذا الإيلاف جعل قريشا أكثر حضارة من بقية العرب، فكان لهم الإمارة والخفارة لقوافل التجارة، فكان إذا تعرض متعرض للقافلة برز له القرشي وقال: إننا من أهل الحرم، فلا يتم التعرض للقافلة لأن الله سبحانه وتعالى منح أهل الحرم مكانة رفيعة وردت في السورة التي سبقت سورة الإيلاف ألا وهي سورة الفيل بأن الله حمى بيته وحمى بلدهم وحماهم.</p> <p>فكان لهم جانب مهاب بين القبائل على الرغم من صغر قبيلة قريش.</p> <p>لقد تمكنوا من الاحتكاك بالحضارات المجاورة، بل تعلموا لغاتها وذلك بسببين: رحلة الشتاء والصيف، والحج. لذا نجد أن القرشيين تبوؤوا مناصب الإمارة والولاية في الدولة الراشدة وما بعدها لأنه من غير المعقول أن يولى على الأمصار التي دخلت تحت الدولة الإسلامية من لا يعرف حضارات هؤلاء الناس وطبائعهم ولغاتهم!</p> <p>وكأن حديث رسول الله "الأمراء من قريش" يشير إلى هذه الخصيصة في قريش، بل هي من التمهيدات الإلهية لتمكين هذا الدين في الأرض.</p> <p>فإذاً: حضارة الإسلام هي حضارة الإنسان التي تمهد لبناء جميع الحضارات.</p> <p>أسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.</p> <p>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=106&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="1Sqj-gEQpJsfb8ZexSEiLfPM54HovMLW3aGAcq1HoLo"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:09:40 +0000 عمر عبدالله كامل 106 at https://okamel.com الإسلام في مواجهة العلمنة https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A9 <span>الإسلام في مواجهة العلمنة</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:08</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/al3lmnh.jpg" width="640" height="360" alt="الإسلام في مواجهة العلمنة" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>أساس العلمانية ومنشؤهـا:<br /> لقد قصد أن يترجم مسمى (العلمانية) بهذا الشكل نسبة إلى العلم مع أن الواقع أنه نسبة إلى العالم بمعنى دنيوي أو ما يقابل الدين بوجه عام للتدليس على الفئات غير المثقفة ثقافة إسلامية كافية، لأن العلمانية هي سلوك المنهج العلمي وحقيقية الأمر خلاف ذلك.</p> <p>- إن أصل العلمانية فلسفي يتصل بواقع سياسي واجتماعي معين مرت به أوربا.</p> <p>وسبب قبول هذا الاتجاه العلماني في الغرب هو تعرض الديانة النصرانية للتحريف، وادخال الأغاليط البشرية في صلب مفاهيمها، وحشوها بالخرافات الوضعية، وما وصل اليه رجال الكنيسة من فساد، حتى أمسى الدين النصراني ورجاله في نظر المتنورين الغربيين صورة للخرافة، والظلم الاجتماعي، والفساد المتستر بهيمنة الغيبيات الدينية.</p> <p>وساعد العلمانية على الانتصار لهذه النزعة، التصور المسيحي لعلاقة الدين بالدولة، فهو تصور يدع ما لقيصر لقيصر، ويقف بالدين عند خلاص الروح ومملكة السماء، دون أن يقدم شريعة للمجتمع والدولة، الأمر الذي جعل (سجن) الدين في الكنيسة.</p> <p>وزحفت العلمانية بقوة تنتشر بين المسلمين مع جيوش المستعمرين الغربيين ومدارسهم العلمانية، ومن معهم من المستشرقين.</p> <p>ثم ظهرت في كثير من بلدان العالم الاسلامي باسم فصل الدين عن السياسة، وأنه لادين في السياسة ولا سياسة في الدين.</p> <p>وفي كل موقع من بلاد الإسلام قامت فيه للاستعمار الغربي سلطة ودولة، أخذ هذا الاستعمار -شيئاً فشيئاً -يحل النزعة العلمانية في تدبير الدولة وحكم المجتمع وتنظيم العمران محل "الإسلامية"، ويزرع القانون الوضعي العلماني حيثما يقتلع شريعة الإسلام وفقه معاملاتها..</p> <p>لقد أدرك الاستعمار أنه لا يمكن أن يستمر مالم يغير البنية الثقافية والتشريعية في الشعوب فظهر الاستشراق خادما للاستعمار، وبدأت مرحلة التدليس وتشويه صورة الإسلام بإثارة شبهات مكشوفة. وقد وقف المسلمون من الاستشراق موقف المتحفز المستريب.</p> <p>وبعد ذلك رأى الاستعمار أن يغرس هذه الأفكار في بعض أبناء جلدتنا وهم التيار الذي انطلت عليه أفكار الاستشراق والعلمانية، فبدأت في الهند حركة (أحمد خان) التي قامت على الافتتان بالعلم الطبيعي والتي ألغت القبول بالمعجزات والغيبيات وخوارق العادات، وجعلت النبوة غاية تحصل وتكتسب (وهذا ما نجد ترديده بعد أكثر من مائتي عام لدى حسن حنفي حول النبوة وكونها درجة أعلى من الكهانة).</p> <p>ونلاحظ في هذا المجال وجود الارتباط بين العلمانية والدراسات الاستشرافية</p> <p>فالكاتب (عبدالهادي عبدالرحمن) في كتابه (سلطة النص) يتجه للدفاع عن ظاهرة الاستشراق معتبرا أنه لا شيء يمنع الغرباء من نقد تراثنا لأنهم بذلك يكشفون لنا عيوبنا فنعمل على إصلاحها وتجاوزها.</p> <p>أما (خليل عبدالكريم) فقد تبنى آراء المستشرقين في طعنه في الفتوحات الاسلامية.</p> <p>كما جاء في عباراته وتحليلاته واستنتاجاته: هذه الآراء لـ (فيليب حتى) وهو من كبار المستشرقين الباحثين في الحضارة الاسلامية حيث يزعم ويقول: "إن من الدوافع التي دفعت المسلمين إلى الفتح هي الجزية".</p> <p>لقد وفد هؤلاء المستعمرون والمستشرقون الى ديار الاسلام محملين بمهمات عديدة لعل أهمها:</p> <p>هدم الاسلام في عقيدته وعباداته ونظامه.<br /> تشويه صورة الأمة الاسلامية وتاريخها بالافتراءات وتزوير الحقائق وإلقاء الشبهات.<br /> خداع الشعوب الاسلامية بربط صور التقدم الحضاري والمدني بهدم الاسلام، وربط صور التخلف بالتمسك بالإسلام.</p> <p>ولتحقيق تلك المهمات اتبعوا وسائل متعددة منها:</p> <p>تزيين الأفكار التي يريدون غزو المجتمع المسلم بها لإقناع أبناء الاسلام بأنها نافعة ويجب اتخاذها منهجاً لحياتهم.<br /> تشويه عقائد المسلمين وأفكارهم لتنفير ابناء المسلمين منها وتقبيح صورة الاسلام في نفوسهم.</p> <p>وإن أهم مرتكزات العلمانيين في دعاويهم:</p> <p>هم يدّعون أن الدين يجعل من رجال الدين طبقة تدّعي الحكم باسم الله.<br /> وهم يدعون تحجر الأحكام الشرعية!<br /> وتدعي العلمانية أن الإسلام يميز بين المواطنين بسبب اختلافهم الديني!<br /> ويتهمون الإسلام بأنه عائق أمام التقدم!<br /> وهكذا بدأت تتسرب الأفكار العلمانية إلى أبناء الإسلام: فقد أدان الشيخ علي عبدالرزاق فكر علماء الإسلام القائل بوجوب الخلافة والإمامة وجوباً دينياً.</p> <p>وإن صيحات التجديد من أتباع (سلامة موسى) وغيره يتبعونه في قوله: "ليس يعقل أن يعيش الإنسان آلاف السنين يتعاوره التقدم المادي في جميع ما يلابسه ويزاوله، ثم يبقى الدين جامداً لا يتطور وفق التطور المادي."</p> <p>اتجاهات غلاة العلمانيين العرب وشبهاتهم حول الإسلام:</p> <p>الدعوة إلى نزع القداسة عن النصوص الدينية والتحرر من سلطتها:<br /> نجد هذه الدعوة لدى الدكتور (نصر حامد أبو زيد)</p> <p>"ومن هنا تكون الدعوة للتحرر من سلطة النصوص في حقيقتها دعوة إلى التحرر من السلطة المطلقة والمرجعية الشاملة للفكر الذي يمارس القمع والهيمنة والسيطرة".</p> <p>ونفس الدعوة نجدها لدى (عبدالهادي عبدالرحمن).</p> <p>"لكن النفاذ إلى عمق هذا النص يحدد كيف أن السلطة النصية تثقل بكاهلها أي محاولة علمية".</p> <p>الطعن في القرآن الكريم:<br /> وذلك بإنكار أزليته واعتباره مخلوقا متشكلا مع الواقع، أو بالتشكيك في ترتيب السور والآيات، أو بإنكار إلزامية أحكامه لجميع المسلمين، أو باتهامه بالقصور في نظام الحكم..</p> <p>فالدكتور (نصر حامد أبو زيد) قال: "الواقع إذن هو الأصل ولا سبيل لإهداره، من الواقع تكون النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفاعلية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولاً، والواقع ثانياً، والواقع أخيراً، وإهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة."</p> <p>الطعن في السنة النبوية:<br /> وذلك بادعاء نحل معظمها على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال بذلك (محمد سعيد عشماوي) "لقد تحرز المسلمون الأوائل من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومع الوقت رقَّ الوازع الديني واختلط بالمعتقد السياسي، فبدأ نحل الأحاديث ونسبتها للنبي.</p> <p>وبالإضافة إلى ذلك فالكاتب نفسه يتهم نصوص السنة بالدعوة إلى عزل الدين عن الحياة مستدلاً بحديث (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).</p> <p>أما الكاتب (عبدالهادي عبدالرحمن) فقد طعن في علم الإسناد للأحاديث النبوية ورفض الزامية هذا العلم: "الإسناد، تلك الأداة العبقرية والتي تعتبر دعامة من دعامات ترسيخ النص والمحافظة عليه هو من عوامل الركود والتحجر التي نعانيها".</p> <p>الطعن في عصر الصحابة:<br /> تناول غلاة العلمانيين الصحابة الكرام بالطعن والتجريح، حتى كتب أحدهم (خليل عبدالكريم) سلسلة من ثلاثة أجزاء سماها: (شدو الربابة بمعرفة احوال الصحابة) وكان هدفه من وراء هذه السلسلة القاء التهم واثارة الشبهات حول نقاء الصحابة الكرام وطهرهم وصولا إلى الطعن في روايتهم لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتشكيك في عدالتهم.</p> <p>فهو يجعل الرواية متأثرة بأديانهم وعاداتهم السابقة للإسلام.</p> <p>ويتحدث عن دوافع الأصحاب للدخول في الديانة الاسلامية فيقول: "وتختلف أسباب الطاعة من فريق الى آخر: فالقرشيون كانت تدفعهم الى ذلك عاطفة انتمائهم للقبيلة التي ينتمي اليها محمد وادراكهم من الوهلة الأولى أنه كان يشيد دولة قريش، وهناك من دفعته الغنائم الوفيرة التي جاءت بها الغزوات".</p> <p>رفض مناهج السلف وسلبها صفة العلمية، والدعوة الى اتباع مناهج علمية حديثة:<br /> (عبدالهادي عبدالرحمن) رفض مناهج السلف صراحة في دراسة النصوص وراح يبحث عن منهج بديل لنقد النصوص وتمحيصها، يقول: "فأولئك الذين استعاروا مناهج السلف كما هي محاولين الباسها للواقع، سقطوا في فخ اهمال طبيعة الحاضر وموضوعاته."</p> <p>اتهم علماء التفسير بنقل الأخبار المغلوطة اذ يقول: "مناهج الكتابة في ذلك العصر، وهي مناهج لا يمكن اعتمادها بشكل تسليمي مطلق، وكان الفقهاء يجهدون أنفسهم في البحث عن سبب للنزول، سواء عن طريق النقل المسند أو عن طريق النبش في النصوص، أو عن طريق الوضع.."</p> <p>الادعاء بأن الشريعة هي تجميع عادات وأعراف اجتماعية عربية:<br /> الكاتب: خليل عبدالكريم يذهب الى أن كل تشريع جاء به الاسلام يعود الى أصول في حياة العرب الجاهليين، فيقول: "ان الاسلام ورث الكثير من عرب الجزيرة واستعار العديد من الأنظمة التي كانت بينهم في شتى المجالات: الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية [الحقوقية] وكثيرا من الشئون الدينية أو التعبدية.</p> <p>وأن التقاليد العربية التي كانت سائدة في الفترة السابقة على البعثة المحمدية تركت آثاراً واضحة لأعلى النصوص المقدسة فحسب بل على سلوكيات المسلمين من ذوي السابقة.</p> <p>الطعن في الحدود والعقوبات الشرعية المحددة في الكتاب والسنة:<br /> فالدكتور (أبو زيد) شكك في قدرة الحدود الشرعية على الاحاطة بالمجرمين وايقاع العقوبة بهم، حيث قال: "وهكذا ينحصر مجال تطبيق حد السرقة على النصابين وصغار اللصوص.."</p> <p>أما المستشار (العشماوي) فقد اسهب في الكلام عن الحدود مشككاً في ثبوت صحتها من جهة، ومدى صلاحيتها لقمع الجناة.</p> <p>فقد طعن في حد شرب الخمر وقياسه على حد القذف لأنه يقوم على افتراء مقدر قد يقع وقد لا يقع معتبرا "إن العقوبة أيا كان أمرها ليست حداً، طالما لم يقض بها القرآن أو يأمر بها النبي.</p> <p>الاعتراض على مبدأ نسبة حدوث الأفعال إلى الله، واعتبار أن إرادة الانسان تتدخل في تحديد أقداره فالمستشار (العشماوي) يرى أن الإرادة البشرية تعمل في المقادير وتؤثر فيها، حيث قال: "وهكذا تعمل الارادة البشرية في المقادير وتجري الأفلاك".<br /> أما (أبو زيد) فذهب إلى إنكار نسبة حدوث الأفعال إلى الله، وأن الله هو الفاعل من وراء الأسباب يقول: من هنا الاعتقاد الخطير الذي ساد الخطاب الديني في الثقافة العربية أن النار لا تحرق وأن السكين لا تقطع، وأن الله هو الفاعل من وراء كل الأسباب."</p> <p>اتهام الفكر الاسلامي بتقييد حرية الاجتهاد سواء بقصره على نصوص التشريع، أو على منعه في العقائد وفيما ورد فيه نص (لا اجتهاد في مورد النص).<br /> هذا ما أقره الدكتور (أبوزيد)، حيث قال: "وعلى هذا التحديد لمجال الاجتهاد يؤسس الخطاب الديني لمقولة صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان ويعارض إلى حد التكفير الاجتهاد في مجال العقائد أو القصص الديني."</p> <p>الطعن في مبادئ الشريعة وأركانها الأساسية، ورفض الدعوة إلى تحكيم الشريعة في حياة الناس لأنها غير قادرة على وضع الحلول المناسبة لما يواجه الناس من مشكلات: (أبوزيد) رأى أن الشريعة عاجزة عن ايجاد حلول عصرية للواقع لذلك فالدعوة إلى تحكيم الشريعة هي بمثابة إعلان العجز من قبل الدعاة.<br /> اعتبار الهدف من رسالة الإسلام ليس نشر الدين وإنما تأسيس دولة لقريش تحقيقا لأحلام قصي ثم عبدالمطلب جدي النبي ﷺ.<br /> هذا ما قرره سيد القمني في كتابه الذي أسماه (الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الاسلامية) حيث قال: "أما المهمة الجليلة والعظمى فكانت قيام النبي ﷺ بإنشاء نواة لدولة عربية إسلامية في الجزيرة، محققا نبوءة جده: إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء."</p> <p>التشكيك في قدرة الله على الخلق بقوله (كن فيكون):<br /> تناول ذلك (القمني) في كتابه (قصة الخلق) حيث قال: "لكن يبدو في مختلف نصوص الديانات السامية أن الأمر (كن) كان مجرد إمكان غير متحقق (حتى الآن) أو هو استعداد إلهي موقوف لإثبات القدرة المطلقة فقط، فهو استعداد بالقوة لم ينتقل إلى الفعل".</p> <p>التلبيس في مسألة المرأة واعتبار الإسلام ممتهنا للمرأة ينظر اليها بازدراء:<br /> فسيد القمني يتهم المأثور بالتمييز جنسيا وخلقيا بين الذكر والأنثى، فيقول: "مأثورنا يعيد وضع المرأة إلى زمن حواء الأسطوري، زمن الخطيئة الأولى ويمركز الشر كله حولها، وهكذا يؤسس موروثنا لتبخيس المرأة، فقد خلقت من ضلع أعوج، وناقصة عقل ودين."</p> <p>وصول بعض غلاة العلمانيين إلى حد الإلحاد:<br /> الدكتور: حسن حنفي في كتابه من العقيدة إلى الثورة، يقول: "والكذب والإضلال والغواية وكل القبائح تجوز على الله، ما دام الله لا يجب عليه شيء."</p> <p>"ويكشف أي دليل على إثبات وجود الله على وعي مزيف."</p> <p>"الله إذن لا يتدخل في أعمال العباد، ولا يشاء منها فعلا إيجابا أم سلبا، لم يخلق شيئا منها وإلا كان مسئولا عن المعاصي والقبائح والشرور."</p> <p>"الإنسان وحده إذن هو الموجود حقيقة، وكل ما سواه موجود بالمجاز."</p> <p>"الباعث على نفي الصانع باعث شرعي، وهو الحفاظ على استقلال العالم والحفاظ على الحرية الإنسانية فيه..."</p> <p>"فالإلحاد هو التجديد.. هو التحول من القول إلى العمل، ومن النظر إلى السلوك.. ومن الفكر إلى الواقع.. إنه وعي بالحاضر.. ودرء للأخطار.. بل هو المعنى الأصيل للإيمان.."</p> <p>التوصيات والمقترحات</p> <p>لقد آن الأوان لإقامة مركز إسلامي لمكافحة الإلحاد والغلو العلماني يأتي على هذه الشبهات ويهلهلها ويكشف زيفها؟ فلقد اكتشفت من مكابدتي لكتبهم أنهم ليسوا على شيء وإن نفرا قليلا لا يتجاوز العشرين من علماء المسلمين كاف لدحرهم وإعادتهم إلى جحورهم ورد كيدهم إلى نحورهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.</p> <p>فلا يجوز أن يترك هؤلاء يعبثون بالدين الإسلامي هكذا.</p> <p>إن التعرض للأديان في أمريكا وخصوصاً اليهودية، وفي فرنسا بلد الحرية جريمة يعاقب عليها القانون طبقت مؤخراً على روجيه غارودي.</p> <p>فهل يصبح الإسلام مباحاً لمن هب ودب وفى ديار الإسلام؟</p> <p>إن الأفكار التي تدور حولها العلمانية هي الإلحاد وذم الدين ولضعف الأنظمة الرادعة فلابد من إقامة مركز متخصص لمكافحة الإلحاد والغلو العلماني يتولى الأمور التالية:</p> <p>إقامة مركز معلومات تجمع فيه جميع الكتب التي هاجمت الإسلام وتصنف الشبهات.<br /> ترجمة جميع الكتب التي تهاجم الإسلام في الغرب القديمة والمعاصرة وتحديد شبهاتهم ومصادرهم.<br /> وضع هذه المعلومات تحت أيدي العلماء للرد عليها وتفنيدها.<br /> تتبع الرابط بين هذه الأفكار التي يلوكها بعض المغالين العلمانيين لفضح المخطط الذي يحاك ضد الإسلام.<br /> إنشاء صحيفة أو دورية تخصص للرد على هذه الأفكار، على أن يكون ثمنها في متناول العامة، وخصوصاً خطباء المساجد.<br /> إقامة علاقات بين هذا المركز والقنوات الفضائية العربية لتصحيح هذه المفاهيم والرد على الشبهات، لأنها أوسع انتشارا.<br /> توضيح شروط الاجتهاد، لأن الاجتهاد لا يكون لمن هب ودب وإنما للعلماء المعتبرين، بل الاجتهاد المعتبر في عصرنا الحاضر هو الصادر عن المجامع الفقهية لأن كثيراً من الأفراد يدعون الاجتهاد وهم لا يملكون شروطه ووسائله.<br /> تولي البنك الإسلامي إنشاء هذا المركز وفي حالة عدم توافر السيولة المادية يمكن اللجوء إلى طلب التبرعات لأنه مشروع يعتبر من أبواب الجهاد.<br /> إعطاء هذا الأمر أولوية خاصة لأن النظرية السابقة التي كانت تقوم على إهمال الرد عليهم أثبتت فشلها، وهذه كتبهم اليوم يتلقفها الناس ممن لا يفرقون بين الصحيح والسقيم بدليل أن بعض كتبهم طبعت للمرة الرابعة مما يدل على أن الفساد أصبح يستشري بين عامة المسلمين.<br /> توجيه جزء من رسائل الماجستير والدكتوراه لمكافحة هذه الشبهات والرد على تلك الكتب.<br /> إصدار سلاسل من الكتب الصغيرة تحت عنوان: مالا ينبغي للمثقف جهله، بحيث يخصص كتيب صغير بكل علم حتى لا يتخبط المثقفون ويكون لديهم الحد الأدنى من الثقافة.<br /> طباعة كتب جديدة ميسرة في العقيدة بأساليب عصرية للمثقفين.<br /> الإسراع في تحقيق كتب التاريخ الإسلامي حتى لا تكون مصدراً للبس، لاعتماد الكثير من المستشرقين عليها، وحتى كتب السيرة النبوية بحاجة للتحقيق بموازين علماء الحديث.<br /> إصدار كتيبات بالأحاديث المكذوبة (ولو بالمعنى) ثم الإحالة إلى المصدر، لأنها تستخدم ضدنا.<br /> الاهتمام بعلم أصول الفقه وخاصة القواعد الكلية وجعلها جزءاً من الثقافة العامة حتى يطلع المسلم على عظمة التشريع الإسلامي وذلك بأسلوب عصري حديث.<br /> تشجيع الشركات الإسلامية الخاصة ببرامج الحاسب الآلي (الكمبيوتر) على نقل أمهات الكتب وفهرستها لتسهيل العودة إليها.<br /> إنتاج برنامج حول القرآن تظهر فيه الكتابة بالرسم العثماني والرسم العادي، لأن الكثير من الدول بدأت تهمل دراسة القرآن، وذلك بالصوت والصورة معاً.<br /> لابد أن نجعل هدفنا هو المثقف العادي وإعطاءه حصيلة سهلة يسيرة يستطيع خلالها أن يوازن بين الأمور باستخدام أحسن الوسائل العصرية، فلا نريد منهم أن يكونوا علماء، ولكن أن يكون لديهم الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=105&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="cvNOZH5zsgb6EiR9xfBxgJ0OtezxaocjsSYAtfIJkw0"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:08:09 +0000 عمر عبدالله كامل 105 at https://okamel.com ارتباط علم المنطق بعلم الكلام https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82-%D8%A8%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85 <span>ارتباط علم المنطق بعلم الكلام</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:07</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/artba6.jpg" width="640" height="360" alt="ارتباط علم المنطق بعلم الكلام" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>أما ارتباط علم المنطق بعلم الكلام، فهو أبين من أن يجادَل فيه، ولكن سوف أذكر أمثلة تبين المقصود.</p> <p>فالمعروف أن علم الكلام هو علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة القطعية. وأما علم المنطق فهو العلم بمجموعة القوانين التي إذا راعاها الإنسان في فكره سلم من الغلط في الوصول إلى النتائج. وما دام الأمر كذلك، فإن العلاقة تكون وثيقة بين العلمين. لأن الكلام يبحث في العقائد الإيمانية، ويتم فيه الرد على المخالفين لعقائد أهل الحق من أهل السنة. والنـزاع فيه مع قسمين من الناس.</p> <p>القسم الأول: هم طوائف المنتسبين إلى الإسلام، فلهم حكم الإسلام على سبيل الإجمال، كالمعتزلة والشيعة والإباضية والزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية.</p> <p>والقسم الثاني: هم الطوائف التي تخالف الدين الإسلامي وهؤلاء نوعان:</p> <p>النوع الأول: هم أهل الأديان من النصارى واليهود وغيرهم.</p> <p>النوع الثاني: هم طوائف الملاحدة والمتشككين والعلمانيين وغيرهم من أصحاب الفلسفات الوضعية العديدة. وهؤلاء يجمعهم رابط مشترك أنهم لا يؤمنون بأيٍّ من الأديان المنـزلة.</p> <p>ففي علم الكلام يتم الإتيان بالبراهين القطعية لسائر أهل هذه الفرق والطوائف على سلامة العقائد الدينية من الغلط وسلامتها من مخالفة الواقع أو الأمر في نفسه. وإذا علمنا نحن أن علم المنطق يهتم في أصل مسائله بتحرير طرق الفكر الصحيحة وبيان غير الصحيحة منها،فإننا نعلم بسهولة أن هذا العلم له مدخلية كبيرة في علم الكلام. فالمتكلم ينبغي أن يكون له اطلاع على هذا العلم.</p> <p>وذلك أن كل هذه الطوائف مخالفة للحق في نفسه، ومخالفة في تقريرها ووصفها للواقع.</p> <p>فالنصارى مثلا يقولون: إن الله تعالى ثالث ثلاثة.</p> <p>واليهود يقولون إن النسخ مستحيل عقلا، وكثير منهم يقول بالتشبيه وبغير ذلك من الأمور التي لا تستند إلى دليل.</p> <p>وأما العلمانيون فلهم مذاهب وطرق عديدة، فمنهم من يقول إن الإله أصلا غير موجود، إلا كفكرة في أذهان الناس، وأن هذه الفكرة ليس لها أمر تصدق عليه في نفس الخارج. وأن الأديان إنما هي مجموعة من الأفكار المبنية على الخيال البشري نتيجة لقصور معارفهم ونقصان حيلتهم أمام الطبيعة وأسرار الوجود. ومنهم من يقول إن الإله يمكن أن نسلم بوجوده في الذهن ويمكن كذلك أن نسلم بفائدة لهذا الوجود، ولكن لا يجوز مطلقا أن نعتقد أن الإله له تحقق في الخارج عن الذهن، وهؤلاء هم البراغماتيون النفعيون، وفلسفتهم خادعة ويمشي عليها غالب المثقفين في هذه الأيام، بل إن كثيرا من الدول تتبنى هذه الفلسفة كنظام أساسي تسير عليه، وينخدع الكثير من المسلمين بهذه الفلسفة، بل إن منهم من لم يعرف مدى خطورتها فادعى أن الإسلام يمكن أن يتبناها ويسير عليها، غافلا عن حقيقتها التي بينتها آنِفاً.</p> <p>وكثير من الناس الذين يحسبون في أنفسهم بعضا من العلوم والمعارف يعتقدون بمثل هذه الأفكار، وعنها ينشأ تيار كبير سائد في هذا الزمان هو التيار العلمانيّ بشتى صُوَرِهِ وفُرُوعه التي ليس هذا المحل الملائم للتفصيل في بيانها.</p> <p>ومن هذه الطوائف أيضا من يقول إن العالم قديم بمادته، متغير بصورته، وأن التغيرات التي تحدث في العالم هي تغيرات ذاتية، فالمحرك والموجد لهذه الحركات إنما هي قوانين داخلية يتصف بها العالم، وهي عبارة عن تناقضاته الداخلية، فيدَّعون أن المادة فيها تناقضات داخلية هي من صُلب وجودها، وأساس ثبوتها، وأنه عن طريق هذه التناقضات، تحصل الحركة التصاعدية والتطور الدائم للصور التي يتصور بها العالم وما فيه من الموجودات الجزئية، ويتكلمون في أثناء ذلك عن أمور كثيرة يسمونها بالقوانين المادية للوجود، وأن العالم يتكامل تكاملا ذاتيا، أي إن سعيه للتكامل إنما هو أمر ذاتي له، ولا يحتاج في ذلك إلى محرك له من خارجه، فلا يحتاج العالم إلى الإله لكي يحركه، لأن حركته ذاتية، ولأن هذا الإله لا يمكن وجوده، لأنه لا وجود إلا للمادة، أي للموجودات في نطاق الزمان والمكان. إلى غير ذلك مما يتفوهون به من مفاسد، وهؤلاء هم الماديون خصوصا الجدليون، وهم الشيوعيون.</p> <p>ويوجد بعض الفلاسفة والمفكرين يقولون إن الإله ليس أمرا في الحقيقة إلا نفس العالم، وهم القائلون بوحدة الوجود المادية أو الروحية، فيقولون إن العالم هو الإله، أو الإله هو العالم.</p> <p>وأنواع هذه الفرق أكثر من أن أحصيها هنا، وإنما أردت مجرد التمثيل لها. فهؤلاء كلهم يزعمون أنهم ينظرون في العالم نظرا مجردا عن الأهواء وينسبون لأنفسهم النظر الموضوعي المجرد عن الأغراض والدوافع، ويتَحَدُّون غيرَهم أن يثبتوا غلطهم فيما يدعون. وهم لا يؤمنون إلا بالأفكار العقلية المجردة، كما يدعون. وهؤلاء لا يرون في الأديان حجة، ولا أهمية لها عندهم، إلا كأهمية غيرها من النظرات الإنسانية التي قد تؤثر في تحريك البشر والتأثير على تصرفاتهم، فهم إنما يهتمون بها من هذه الناحية العملية المطلقة، أما أن تكون الأديان مصدرا للمعرفة ولو في أي مستوى من مستويات المعرفة، فلا.</p> <p>ومن معرفتك لحقيقة أقوالهم، فإنك تعرف أن هؤلاء لا يمكن مخاطبتهم إلا بالأدلة العقلية المجردة، وهي عين الأدلة التي يدَّعون الانتساب إليها، ونحن نعرف أن هذا الادعاء عارٍ عن الدليل البرهاني الحقيقي، فلا نسلمه لهم على إطلاقه، وإنما هذه الأدلة المزعومة قائمة على مغالطات بعضها مقصود وبعضها تلبسوا به بالعَرَضِ.</p> <p>ومن كان هذا شأنه، فالطريقة الصحيحة لمناقشته وبيان غلطه فيما ادعاه إنما تكون بالأدلة وطرق النظر العامة التي يشترك فيها كافة البشر، ولا يستطيع أحد أن يغالط فيها، وهذه هي حقيقة القوانين المنطقية، أي القوانين التي يشرحها علماء المنطق في كتبهم. ولا يستطيع أحد من المغالطين أن يدعي أننا إنما يجب أن نناقشهم بالأدلة والنصوص المأخوذة من الكتاب والسنة، بقيد استنادها إلى الكتاب والسنة. فإن من يقول بهذا المذهب يكون ضحكة الأولين والمتأخرين من العقلاء، ويكون أيضا قد خالف ما قرره الدين الحق نفسه، فقد قال الله تعالى (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل(125)، فالحكمة يناسب تفسيرها بالبراهين والحجج القوية، وأما الموعظة الحسنة فيناسب أن تحمل على الطرق الخطابية اللائقة بعوام الناس، وقوله تعالى (وجادلهم..) صريح في الطريقة الجدلية اللائقة لبعض الناس.</p> <p>وأنت ترى أن كلا من هذه الطرق الثلاثة هي إحدى الطرق التي ذكرها أهل المنطق في كتبهم، فإنهم يذكرون أن القياس المؤلف من القضايا اليقينية يسمى برهانا، وذكروا أن القياس المؤلف من القضايا المشهورة والمسلمات يسمى جدلا، وأن القياس المؤلف من المقبولات والمظنونات يسمى خطابة، وقد يدخل فيه أيضا القياس المؤلف من قضايا مخيلة والمسماة قياسا شعريا، لمخاطبته العواطف لتحصيل انفعال النفس والتأثر. فأنت ترى أن نفس المراتب الثلاثة التي نصت عليها الآية الكريمة قد ذكرها أهل المنطق، ولذلك نقل العلامة السبزواري ناقلا عن العلامة الشيرازي في شرح حكمة الإشراق قوله:</p> <p>"ومن طلب العلوم التي لا يُؤْمَنُ فيها الغلط ولا يَعْلَم المنطق، فهو كحاطب ليل، وكرامد العين لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد، بل لنقصان الاستعداد، والصواب الذي يصدر من غير المنطقي كرمية من غير رام، وكمداواة عجوز".</p> <p>ثم قال: "والمنطق يصلح لأبناء الملوك الذين يتوقع منهم أن يصيروا ملوكا، لا ليعلموا الاقترانات الشرطية ولوازم المتصلات والمنفصلات، بل ليعرفوا الصناعات الخمس، ويقدروا على مخاطبة كل صنف من الناس بما يليق بحالهم، على ما قال (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فالحكمة لمن يطيق البرهان، والموعظة الحسنة لمن لا يطيقه، والجدل للمقاومة لمن ينتصب للمعاندة"اهـ.</p> <p>والحقيقة أن الأدلة على ذلك من القرآن أكثر من أن تحصى، ولا ينكر ذلك إلا معاند، أو متلبس ببدعة يخاف أن يظهر بطلانها إذا عرضت على محك النظر.</p> <p>والذي أريد أن أبينه الآن، هو بعض الأمثلة التي تبين مدى الفائدة التي يجنيها العارف بعلم المنطق في حلِّ بعض الإشكالات المتعلقة بعلم التوحيد وطرق الاستدلال في الفلسفة العامة.</p> <h4>مع ابن تيمية</h4> <p>الحقيقة أن الأمثلة التي يمكن أن نوردها من كلام ابن تيمية على المغالطات المنطقية التي وقع فيها، كثيرة جدا، ونحن سوف نخصص كتابا مستقلا لهذا الأمر لأهميته. وأما الآن فسوف نقتصر على مثال واحد فقط، وليس قصدنا فيه هو الرد على ابن تيمية فقط، بل قصدنا أصالةً هو بيان أهمية التفكير المنطقي الصحيح، وبالعَرَضِ الردُّ على ابن تيمية في ما قاله.</p> <p>سنورد هنا نَصَّيْنِ لابن تيمية يوضح فيهما طريقته في الاستدلال على الأمور العقائدية، وسنعلق عليهما باستعمال قواعد علم المنطق، ولكن بشكل ميسَّر وذلك تقريبا لفهمها لدى القراء غير المتمكنين من قواعد علم المنطق.</p> <p>النص الأول: ألف ابن تيمية رسالة خاصة بين فيها القواعد التي يمكن استعمالها في النظر في صفات الله تعالى، أي الأدلة التي يمكن اتباعها في هذا الموضوع، وهذه الرسالة هي"تفصيل الإجمال فيما يجب من صفات الكمال، والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها". وقد عرض ابن تيمية بعض طرق الاستدلال على صفات الله تعالى، التي يرتضيها هو وطائفته الذين يسميهم بأهل الإثبات، وهؤلاء المثبتة في الحقيقة هم عين المجسمة، فلا تتوهم أيها القارئ أن المراد بهم أهل السنة.</p> <p>قال في هذه الرسالة:</p> <p>"فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه أحدها: أن يقال: الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها." اهـ</p> <p>أقول: هذا الكلام إلى هذا الحد، يمكن أن يقبل، لأنه يتكلم عن مطلق الموجود، ومعلوم بالبداهة أن الموصوف بالكمال أكمل من غير الموصوف بذلك. هذا الكلام لا يمكن أن يخالفه أحد.</p> <p>فحاصل القضية أن تقول: الاتصاف بالكمال المحض، أكمل من عدم ذلك. يعني: "أن كل كمال محض فالموصوف به أكمل من غيره". هذا هو حاصل القضية التي لا نخالف ابنَ تيمية فيها. ولكن ينبغي أن ندقق بشكل أكبر في مفهوم الكمال المحض الذي ذكرناه، فمقصودنا بالكمال المحض أي الذي يعتبر كمالا بالنظر لأصل الوجود، لا بالنظر لأصل الموجود. فمعلومٌ أن الوجود هو عبارة عن مفهوم ذهني، وهذا المفهوم لا يساوي الموجود، إلا عند من يقول بأن الوجود هو عين الموجود، وحتى هذا، فإنه لا يمنع أن يطلق الوجود على المعنى الإضافي أو الاعتباري المقول على كثيرين بالتواطؤ. وعلى ذلك فإن كل ما حكم العقل بأنه كمال لأصل الوجود، فيلزم أن كل ما اتصف به من الموجودات أكمل مما لم يتصف به. ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات. الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج. فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان. وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج! لأن هذا القول هو عبارة عن مغالطة، لأنك بهذا تكون قد استندت إلى الخاص لتحكم على العام. والمقصود بالخاص هنا ما يصدق على البعض، فما يصدق على البعض ولا يصدق على كثيرين، لا يجوز الحكم به على الكثيرين. فتأمل.</p> <p>هذا كان مقدمة للدخول في الموضوع. وهو ما يطلق عليه في علم المنطق بالقضية الموجهة، أو المعنونة، أي القضية التي ارتبط الحكم فيها بعنوانها. وهي تقارب القضية المشروطة، فالقضية المشروطة لا يجوز تعميم حكمها إلا على ما تحقق فيه الشرط والعنوان، وأما ما لم يتحقق فيه ذلك، فلا يجوز الحكم عليه بذلك. وكثير من الناس يستعملون قضايا ويحكمون على المواضيع بدون الإشارة إلى كونها مشروطة، أي كون الموضوع مشروطا بشرط، وهذا، أي عدم ذكر الشرط يسمى في المنطق بعدم توجيه القضية، فالقضية غير الموجهة، قد يدخل فيها إشكالات عديدة، ولذلك فهي تستعمل كثيرا في المغالطات والمجادلات التي لا يكون الهدف فيها إلا إفحام الخصم لا الوصول إلى الحق.</p> <p>ولاحظ أن ابن تيمية في القضية المذكورة أعلاه، تكلم على الموجود، فبدأ كلامه بقوله "الموجودات نوعان" فجعل عنوان كلامه هو أصل الموجود، ومعلوم أن هذا الاسم يدخل فيه كل موجود، ولا يخرج عنه واحد، سواء كان ذلك الموجود واجب الوجود أو ممكن الوجود. ولذلك فقد قال ابن تيمية بعد ذلك: "فالرب إن لم يقبل. الخ" فهو يفهم أن كلامه عام لاستعماله كلمة الموجود، التي يدخل في مفهومها اللهُ تعالى، وهو واجب الوجود، وغيره من الموجودات الممكنة.</p> <p>ثم قال ابن تيمية: "الوجه الثالث: أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص، وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك. وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال، ومجرد سلبها من النقص وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للوجود، ولا نقص فيه بحال، بل النقص في عدمه. "اهـ</p> <p>هذا تطبيق من ابن تيمية للقاعدة السابقة على بعض الصفات التي يمكن أن نوافقه على مجمل ما قاله فيها، وإن كنا نخالفه في تفصيلات مراده بالسمع والبصر والعلم والكلام وغير ذلك من الصفات، فإنه يفسر هذه الأسماء بمعاني لا نوافقه على جواز نسبتها إلى الله تعالى. وليس هذا المحل ملائما للكلام على ذلك، فقد وضحناه في كتابنا "الكاشف الصغير"، والآن لنكمل كلام ابن تيمية، فقد قال: "وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات أحدهما يقدر على التصرف بذاته فيأتي ويجيء وينـزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر يمتنع ذلك منه، فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال، كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. "اهـ</p> <p>إذن فابن تيمية يُفَرِّعُ الآن وبعد تقرير القاعدة كما سبق أننا إذا قدرنا في أذهاننا موصوفين بهذه الصفات وهي العلم والقدرة…الخ، أحدهما يقدر على الصعود والنـزول وعلى التصرف بنفسه وغير ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر لا يقدر على ذلك. فإننا نحكم بأن القادر على ذلك أكمل من غير القادر على ذلك. يريد من ذلك أن يقول النتيجة الحتمية وهي أن الله تعالى يتصف بهذه الصفات (وهي المجيء والإتيان والصعود والنـزول ونحو ذلك) كما صرح به في مواضع أخر، وذلك لأن كون الله تعالى كاملا ليس ناقصا أمرٌ واجب، وبما أن هذه الصفات والأفعال كمال، إذن فهي واجبة لله تعالى!</p> <p>هذه هي طريقة ابن تيمية في الاستدلال على ما يريد. فالوصف العنواني عنده في هذه القضية هو "الموصوف" أي بما مضى من الصفات. ومعنى ذلك، أن الاتصاف بالمجيء والصعود والنـزول، لازم لكل من اتصف بالصفات المذكورة، وبما أنه كمال إذن هو واجب لله تعالى. ومعنى ذلك أن السبب في الاتصاف بالمجيء والنـزول والصعود والتصرف بالنفس وغير ذلك، على حد تعبير ابن تيمية هو كون الواحد موصوفا بالقدرة والعلم والسمع والبصر.. الخ.</p> <p>هذا هو تحليل لعبارة ابن تيمية بناءا على القواعد المنطقية، وبعبارة غير فنية تماما ميلا إلى التسهيل.</p> <p>ولكن هل ما قاله ابن تيمية هنا صحيح، أي هل ما ادعاه من تلازم بين الاتصاف بالمجيء والصعود والنـزول وغير ذلك، وبين كون الواحد موصوفا بالعلم والقدرة والسمع …الخ، صحيح؟!</p> <p>لو دققنا في النظر لأدركنا أنه لا توجد علاقة مطلقا بين هذين الأمرين. فإن الصعود معناه الانتقال من محل ومكان سافل إلى محل ومكان عالٍ. والمجيء هو الانتقال من محل بعيد منك إلى محل قريب منك، والنـزول هو الانتقال من محل عالٍ إلى محل ومكان سافل، وهكذا التصرف بالنفس، فمعناه جواز حدوث أمر حادث وزائد على ما هو حاصل بالفعل في الذات. هذه هي معاني الصفات الثانية اللازمة عن الصفات الأولى.</p> <p>فالسؤال هنا بعد هذا التوضيح، هو هل الصفات الثانية مترتبة فعلا على الصفات الأولى؟ أي هل يلزم كل كامل اتصف بالصفات الأولى أن يتصف بالصفات الثانية؟</p> <p>ابن تيمية يقول: نعم. ونحن نقول: لا.</p> <p>وإذا دقق القارئ معنا نظره، لعرف ما يلي: إن الحركة لازمة لا للمتصف بالصفات الأولى فقط. بل للمتصف بالمحدودية والمكان. أي إن الأصل أن يقال كما يلي:</p> <p>إن كل من اتصف بالمحدودية، أي بكونه محدودا، أي له نهايات وأطراف وحدود من جميع جوانبه وجهاته، يلزم جواز اتصافه بالصفات الثانية وهي الانتقال والمجيء والصعود والنـزول. ولا يقال إن كل من كان سميعا قديرا عليما جاز اتصافه بالانتقال والمجيء والصعود والنـزول. فالفرق كبير وواضح بين العبارتين. والعاقل المنصف يعلم أن سبب جواز الاتصاف بالصفات الثانية ليس هو الاتصاف بالصفات الأولى، بل هو الاتصاف بصفات ليست هي الثانية ولا الأولى، بل هي أمور أخرى، وهي كون الذات محدودة، فكون الذات محدودة فعلا هو السبب الحقيقي في جواز اتصاف الذات بالنـزول والانتقال والمجيء والصعود. وهذه الصفات (ولنسمها بالصفات الثالثة، أو الصفات المتوسطة) هي علة الاتصاف بالصفات الثانية بالفعل.</p> <p>هذا هو التحليل الصحيح لعبارة ابن تيمية، وهكذا يجب أن يكون الاستنتاج الطبيعي لا كما ذكره ابن تيمية.</p> <p>فالواقع أن ابن تيمية قد أسقط السبب الحقيقي في الاتصاف بالصفات الثانية، وأوهم القارئ أن السبب الكافي للاتصاف بها إنما هو الاتصاف بالصفات الأولى، وليس الأمر كذلك. كما أوضحناه لك. فلا مدخلية لكون الذات موصوفة بالقدرة في كونها موصوفة بالانتقال والصعود والنـزول. ولكن السبب الحقيقي لاتصافها بالنـزول والصعود، هو اتصافها بالقدرة أولا، واتصافها بكونها محدودة ثانيا، أما مجرد الاتصاف بالقدرة والعلم والسمع والبصر، فلا مدخلية له في ذلك.</p> <p>وهذه المقدمة المحذوفة من كلام ابن تيمية، هي في الحقيقة أصل النـزاع بينه وبين معارضيه، ولذلك فقد أخفاها هنا في كلامه، وأوهم القراء أن لزوم الاتصاف بالصفات الثانية يكفي فيه الاتصاف بالصفات الأولى، وذلك لأن الصفات الأولى قد يقول بها المعارض، بل إن كثيرا من معارضي ابن تيمية يقولون باتصاف الله تعالى بها، وأما الصفات الثانية، فلا يقول بها إلا المجسمة الذين يسميهم ابن تيمية بأهل الإثبات. وهذا هو السبب الحقيقي في إهمال ابن تيمية ذكر العلة الحقيقية في الاتصاف بالصفات الثانية. فتأمل، وهذا هو بعض ما يطلق عليه أهل المنطق اسم المغالطة، وكثيرا ما يستعملها ابن تيمية في مناقشاته للخصوم.</p> <p>وهذا الذي يفعله ابن تيمية من إهمال قيد في القضية، يعبر عنه أهل المنطق بإهمال توجيه القضية. وهو لا يجوز في البراهين. بل يستعمله الناس في السفسطة والمغالطات والجدليات، مما لا ينفع في الوصول إلى الحقيقة، وهي المقصودة أصالة في مجال البحث في العقائد. فتأمل.</p> <p>وأما اتصاف الذات بكونها متصرفة في نفسها، فهذا ينبني كما أشرنا لك على كون الذات ممكنة قابلة للانفعال والتأثر، ولا ينبني على مجرد كون الذات قادرة عالمة سميعة بصيرة الخ. وهذه مغالطة أخرى في كلام ابن تيمية السابق. وتتم محاكمتها بنفس الأسلوب السابق. فتنبه.</p> <p>النص الثاني: ونورد هذا النص هنا أيضا لأن له مدخلية ببيان حقيقة كلام ابن تيمية السابق، كما وضحناه أعلاه، فقد قال في الرد على أساس التقديس، في معرض الرد على الإمام الرازي: "ويقول له الخصم: هب أنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون، فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون، فإنه إما أن يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا، فإن كان منتقلا فهو متحرك، وإلا فهو ساكن. والحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها، فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلا، كانت الأولى أكمل."اهـ</p> <p>لاحظ أن ابن تيمية هنا قد أوضح في كلامه، بأن السبب الحقيقي لكون الذات متصفة بالتحرك والانتقال إنما هو كونها متحيزة، لا كونها قادرة عالمة الخ، كما أوهم في النص السابق. فقد قال هنا:" هب أنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون"اهـ، فعلق الحركة على كونه متحيزا لا على كونه عالما..الخ.</p> <p>ثم تأمل في قوله أيضا:"فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون"اهـ، فهو علق هنا كون الشيء متحركا أو ساكنا، على كونه قائما بنفسه، ومعلوم أنه ليس كل قائم بنفسه فهو متحيز، بل هذا هو أصل النـزاع أصلا، وهو كل قائم بنفسه فهو متحيز؟ ابن تيمية يقول نعم، ونحن نقول لا. وبالتالي فابن تيمية يقول ما دام الله تعالى قائما بنفسه فهو متحيز، أي محدود، ونحن نقول الله تعالى قائم بنفسه وليس بمحدود.</p> <p>وعلى قول ابن تيمية فإذا كان الله تعالى قائما بنفسه، فيلزم كونه محدودا، ويلزم على كونه محدودا أن يكون قابلا للاتصاف بالحركة والسكون، وحينذاك، فإما أن يتحرك بإرادته أو يتحرك لا بإرادته، أي يكون مضطرا في حركته، ومعلوم أن المتحرك بإرادته أكمل من المتحرك باضطرار. هذا هو الأسلوب الصحيح في التعبير عن مذهب وقول ابن تيمية، لا كما صوره هو!</p> <p>ونحن نقول مع ابن تيمية: لو فرضنا أن الله تعالى محدود فعلا، لكان يلزم أن يكون قابلا للاتصاف بالحركة والسكون. ولكن لأن الله تعالى في الحقيقة ليس محدودا، فإنه يستحيل اتصافه لا بالحركة ولا بالسكون.</p> <p>وتأمل قوله بعد ذلك:" والحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها"اهـ، فإنك تراه قد علق كون الحركة الاختيارية كمالا على مجرد كون الأمر شيئا، أي موجودا، وليس الأمر كذلك، بل الحركة الاختيارية تكون كمالا، لا لذلك فقط بل لكون الأمر موجودا، وكونه جسما، أي متحيزا، وفرق كبير بين كون الشيء جسما وبين كونه موجودا. فالصحيح أن تكون عبارة ابن تيمية السابقة كما يلي: "والحركة الاختيارية للجسم كمال له كالحياة"اهـ لا كما قال. وأنت صرتَ الآن تعرف الفرق الكبير بين العبارتين. فإنك لا يمكن أن تقول بعبارة ابن تيمية إلا إذا كنت مجسما، أي إلا إذا كنت تعتقد أن كل شيء موجود فهو جسم، أي لا يمكن أن يكون الأمر موجودا وشيئا إلا إذا كان جسما، وعلى ذلك فهو يقول بأن الله تعالى جسم بالمعنى المنفي عند المتكلمين وسائر أهل السنة. فالوجود عنده مقيد بالأجسام. وأما إذا كنت تعتقد أنه يمكن أن يوجد موجود ليس بجسم، فإنك تعرف أن عبارته تلك خاطئة، وأن التعبير الصحيح عند ذاك، إنما هو ما اقترحناه عليك.</p> <p>ثم تأمل بهد ذلك في قوله في نهاية كلامه:" فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلا، كانت الأولى أكمل"اهـ، فأنت تعرف الآن أن التعبير الذي كان يجب أن يقوله ابن تيمية هو كالتالي: "فإذا قدرنا جسمين أحدهما يتحرك باختياره، والثاني لا يتحرك أصلا، كان الأوَّلُ أكملَ."اهـ</p> <p>هذه العبارة صحيحة، منطقيا، وصادقة واقعيا، وعقليا، وأما عبارة ابن تيمية فهي باطلة بالوجوه الثلاثة المذكورة. وذلك لإمكان وجود موجود ليس بجسم، ولذلك لا يقبل الحركة ولكنه في غاية الكمال وهو الله تعالى واجب الوجود.</p> <p>مناقشة المخالفين لعلم المنطق</p> <p>مما مضى نتبين مدى علاقة علم المنطق بغيره من العلوم خاصة علم الكلام وعلم الأصول، ومنه أيضا علم الفقه، وقد احتجنا إلى بيان تلك العلاقة، لأمرين:</p> <p>الأول: إثبات ذلك المعنى في نفسه.</p> <p>الثاني: بيان غلط من توهم عدم وجود علاقة بين المنطق والعلوم الشرعية المذكورة، وغيرها.</p> <p>وكما تبنى بعض العلماء مهمة إثبات العلاقة المذكورة، فإن بعضا من العلماء كتبوا في سبيل بيان عدم الحاجة إلى علم المنطق في أي علم من العلوم الشرعية، وبرروا هدفهم ذلك، إما بالاستغناء عن المنطق بمجرد الفطرة، أو بغلط مباحث علم المنطق في نفس الأمر.</p> <p>ولو استعرضنا أسماء المؤيدين لعلم المنطق من حيث العدد والكيف أي درجة العلم والتمكن في سائر العلوم والمعارف، بأسماء المعارضين له بغض النظر عن أسبابهم التي دفعتهم إلى اتخاذ ذلك الموقف، لرأينا رجحان كفة المؤيدين للمنطق والقول بالحاجة إليه، وفائدته على الفريق الآخر، ولرأينا الفرق المعارض تتأرجح به العلل التي دفعت به إلى المعارضة ما بين باحث منصف له نظرات تتأمل المسألة في نفس الأمر، فإما أن يكون ما قاله مصيبا أو غلطا، وهذا لا بأس به ولا يبعثنا إلى مخالفته إلا ما يقوله مما يظهر لنا بطلانه، ومن يمثل هذا القسم قليلون.</p> <p>وطائفة دفعها عدم علمها بحقيقة المنطق إلى معارضته ككثير من العلماء الذين كانوا متخصصين أصلا إما في الحديث أو في اللغة، أو حتى في مجرد الفقه والإفتاء، ولا تحقيق لهم في العلوم العقلية ومنها علم المنطق، فبعض هؤلاء دفعهم عدم علمهم واختلاط عدة أمور عندهم ككون أصل المنطق مأخوذا من الفلاسفة، واختلاط كتب المنطق أو أكثرها بالأمثله المخالفة للشريعة، أو اعتمادهم على كلمات من السلف الصالح من العلماء حملها هؤلاء على مطلق علم المنطق ولم يفرقوا بين أمر وأمر، وغير ذلك من الأسباب.</p> <p>وطائفة ثالثة ممن خالفوا أصلا أصول الحق في علم التوحيد، كالمجسمة والتجريبيين النافين لوجود الله تعالى، وكالماديين بمختلف أصنافهم ومنهم الماديون الجدليون، هؤلاء دفعهم إلى محاولة نقض المنطق كونه بما يحتوي عليه من قواعد كلية، تقوم عليه أصول التوحيد الصحيحة التي يخالفها جميع هؤلاء، أي إن هذه الطائفة لما رأت المنطق هو السلاح الذي يعتمد عليه أهل الحق القائلون بالعقائد الصحيحة، حاولوا نفي ونقض هذه الآلة الفكرية بمختلف الأساليب والطرق، لنـزع أهم سلاح من بين أيدي القائلين بالعقائد الصحيحة.</p> <p>ولما كان ابن تيمية من بين أهم الأسماء اللامعة في هذا الزمان، وقد شاع فكره الخاص بين كثير من العامة والخاصة، حتى رأينا بعض العلمانيين يستندون إلى أفكاره، ورأينا كذلك بعض المخالفين لأصول الإسلام يستندون إلى ما قاله لتبرير كلامهم وتمريره بين الناس. فصار الاحتجاج بكلام ابن تيمية في هذا العصر يشابه –عندهم- الاحتجاج بالكتاب والسنة، وكلما زاد الكاتب من الاستشهاد بعبارات ابن تيمية ومقاطع من كلامه، ازداد حظه من هذه الحياة الدنيا المادية، وقرَّب بهذا الأسلوب ارتفاعَ اسمه بين أقرانه. فالعلاقة حالياً أوشكت أن تكون طردية كليا بين موافقة ابن تيمية والدعوة إلى آرائه وبين ازدياد الكسب المادي.</p> <p>ولكننا لا نلتفت إلى مثل هذه العوارض الزائلة، التي لا تدل على حقائق الأمور، ولا تستهوي إلا نوعا معينا من الناس، فمهما كان الاسم كبيرا وصاحبا معظما فإننا لا نرى هذا مانعا من الإشارة بوضوح إلى مخالفته للحق في نفس الأمر، بمختلف الأدلة والإشارات. ولا يثنينا عن هذا الطريق ما قد نواجهه من عَنَتٍ.</p> <p>ولذلك، ولكون ابن تيمية من أشهر من كتب في الرد على المنطق، فله في ذلك الكتابات المختصرة والمطولة، فإننا أحببنا أن نركز زيادة تركيز على نقض أهم الأدلة والاحتجاجات التي اعتمد عليها في الرد على المنطق. ولن نقتصر على ما قاله ابن تيمية، بل سنضيف إليه كلام بعض الآخرين الذين اشتركوا مع ابن تيمية في محاولته نقض المنطق، وإن اختلفوا معه في أهدافهم ودوافعهم إلى ذلك، بحسب ما أشرنا إليه سابقا.</p> <p>وسوف نخصص الكلام هنا على ذكر الجهات التي ناقض فيها ابن تيمية وغيره علمَ المنطق، ونذكر الرد عليها بشكل مجمل وذلك لأن للتفصيل محلا آخر.</p> <p>ونذكر أيضا الأسباب الحقيقية التي دفعت ابن تيمية إلى الرد على علم المنطق، مستأنسين في ذلك كله بأدلة كافيةٍ للمنصف.</p> <p>ولهذا فسوف نخصص فصلا خاصا لمناقشة ابن تيمية، ونتبعه بفصول أخرى لمناقشة بعض من تكلم في هذا الأمر من العلماء المتقدمين.</p> <p>وبعد أن ننتهي من معارضة ابن تيمية وبيان ضعف أدلته، وتقريراته، سوف نتوجه إلى مناقشة بعض العلماء الآخرين الذين اشتهر عنهم معارضة المنطق، ورفضه، لنتعرف إلى أدلتهم ونـزنَ أقوالهم بالموازين الصحيحة، ومنهم الإمام السيوطي، فسوف نناقشه في كتابه "صون المنطق"، ومن ثَمَّ فسوف نتناول بالنقد أهم الآراء التي نقلها عن المتقدمين من العلماء، ونبين ما فيها من وجهة نظرنا، وهذا الفصل يؤلف قسما مهما من كتابنا. وأخيرا نختم الكتاب بفصل خاص نورد فيه بعض أهم الفتاوى التي تكلم فيها العلماء المتقدمون عن علم المنطق، ونبين ما فيها من مقبول ومردود.</p> <h3>الفصل الأول</h3> <h4>موقف ابن تيمية الإجمالي من علم المنطق</h4> <p>نستطيع أن نلخص موقف ابن تيمية من علم المنطق بإيراد النص التالي من كلامه، فقد قال: "أما كتب المنطق فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، وإن كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية، وقال بعض الناس إن العلوم لا تقوم إلا به، كما ذكر ذلك أبو حامد، فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا.</p> <p>أما عقلا فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني، وأما شرعا فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.</p> <p>وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يحتاج إليه، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه، فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء وكانت سببا لنفاقهم وفساد علومهم. وقول من قال إنه كله حق كلام باطل، بل في كلامهم في الحد والصفات الذاتية والعرضية وأقسام القياس والبرهان ومواده من الفساد ما قد بينَّاه في غير هذا الموضع. وقد بين ذلك علماء المسلمين."اهـ.</p> <h4>تحليل عبارته</h4> <p>هذا هو موقف ابن تيمية من علم المنطق لخصه لنا بعبارته، وسوف نحلل عباراته تحليلا نقديا ليتميز مدى ما فيها من مطابقة للصواب.</p> <h4>أولا: لا تشتمل كتب المنطق على علم يؤمر به شرعا</h4> <p>يدعي ابن تيمية أن كتب علم المنطق لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، وسياق كلامه يدل على العموم، ونحن نعلم أن الشريعة تأمر بكل ما فيه فائدة ومصلحة للإنسان، إما في عقيدته أو في أعماله. وإذا فرضنا أن علم المنطق لا يشتمل على علم من شأنه أن يكون مأمورا به في الشريعة مطلقا، فمعنى ذلك أنه لا يوجد في علم المنطق أمر من الأمور التي يمكن أن تكون مفيدة للناس في دنياهم وآخرتهم. وهذه النتيجة هي المفهوم من عبارته، ولكنها باطلة للوجوه التالية.</p> <h4>وجوه بطلان قوله</h4> <ol> <li>نصه على صورة القياس: أن ابن تيمية نفسه قال: "أما البرهان فصورته صورة صحيحة، وإذا كانت موادُّه صحيحة، فلا ريب أنه يفيد علما"اهـ، فهو هنا ينص بصراحة على أن صورة القياس المذكورة في علم المنطق صحيحة مطلقا، وأنها إن صحت موادها فلا ريب أن القياس يفيد علما صحيحا، ومعلوم في العقل والشريعة أن ما كان طريقا إلى العلم الصحيح فهو مأمور به شرعا، أو أنه مشروع، فلا يجوز أن يقال إن بعض الطرق الصحيحة المؤدية للعلم غير مأمور بها في الشريعة أو أنها غير مشروعة.</li> </ol> <p>فالحاصل أن ابن تيمية تناقَضَ هنا. والحقيقة أن كون صورة القياس صحيحة مطلقا هو أمر اتفق عليه سائر العقلاء ولذلك فقد اتفقوا على القول بها والحض على تعليمها للاستفادة منها، وإنما جئنا بعبارة ابن تيمية هنا لأن غرضنا هو بيان فساد مقدماته التي جاء بها للاعتراض على علم المنطق من نفس كلامه.</p> <p>يبقى هنا شيء، وهو أن ابن تيمية اعترض على حصر المناطقة لمواد البرهان بالمواد التي نصوا عليها، وهذا الأمر سوف نناقشه لاحقا، ولكن من المعلوم أنه إن اعترض على جهة من جهات المنطق وأقر بصحة جهة أخرى منه، فإنه لا يجوز له القول بأن علم المنطق لا يحتوي على علم يؤمر به في الشريعة.</p> <ol> <li>اعترافه بصحة أغلب ما أثبته المناطقة: إن ابن تيمية نفسه قد قال: أثناء بيانه لفساد علم المنطق وكتب المناطقة:" فهذا موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه ويعلم أن هؤلاء القوم وغيرهم إنما ضلوا غالبا من جهة ما نفوه وكذبوا به، لا من جهة ما أثبتوه وعلموه."اهـ</li> </ol> <p>إذن فإن ابن تيمية يقرُّ بأن المذكور في كتب علم المنطق أمرانِ، الأول ما أثبته المناطقة وقرروه، والثاني ما نفوه. وهو يعترف بصحة أغلب ما أثبتوه، ولكنه يخالفهم ويدعي غلطهم فيما نفوه، إذن بعض المذكور في كتب المنطق صحيح وبعضها غلط عنده، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تأتَّى له أن يقول: إن كتب المنطق لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، ونحن نعلم أن طرق العلم الصحيحة قد أمرنا بها شرعا؟!</p> <ol> <li>اعترافه بأن بعضه حق: إن ابن تيمية قد عارض نفسه في نفس الفقرة المنقولة عند قوله: "وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل".</li> </ol> <h4>ثانيا: اعتراضه على الإمام الغزالي بأن المنطق أساس العلوم</h4> <p>اعترض ابن تيمية على الإمام الغزالي في قوله بأن علم المنطق هو أساس العلوم، وادعى بطلان ذلك بالعقل والشرع، ومع أننا قد تكلمنا على فائدة علم المنطق في القسم الأول من هذا الكتاب، إلا أننا سوف نبين فيما يلي كيفية استدلاله العقلي على ذلك، ونبطله، ثم نبين جهة استدلاله بالشريعة وننقض استدلاله أيضاً.</p> <p>أ‌- استدلال ابن تيمية بالعقل على بطلان كلام الغزالي:</p> <p>حاصل هذا الاستدلال: الادعاء بأن جميع العقلاء قد حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني، ويترتب على ذلك –إن صحَّ- عدم الحاجة بالفعل إلى المنطق.</p> <h4>بيان بطلان ادعائه</h4> <p>هذا الادعاء غلط، وبيان ذلك من وجوه:</p> <p>الوجه الأول: أن أرسطو من العقلاء، وهو قد حرر علومه بناءا على المنطق الذي أسَّسه.</p> <p>الوجه الثاني: أن ابن تيمية قد اعترف في نفس كتبه بأن كثيرا من المتكلمين قد تأثروا بالمنطق اليوناني وحرروا كتبهم بناءا عليه، مثل الأبهري والرازي والكاتبي والآمدي وغيرهم، وإلا فلم اهتم ابن تيمية كثيرا بالرد على علم المنطق ولم اهتم أيضا ببيان الأغلاط التي قد يقع فيها من يعتمد عليه؟ فإن لم يكن ثَمَّة مَنْ حرر علومه بناءا على هذا المنطق، فما الداعي لهذا الردِّ؟!</p> <p>الوجه الثالث: معلوم أن كثيرا من الفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن مّلْكا قد حرروا علومهم وفلسفاتهم بناءا على المنطق.</p> <p>الوجه الرابع: إن ابن تيمية قد ادعى أن بعض الناس قال: "إن كل المنطق حق"، فإذا صح نقله، فإنه يثبت أن هؤلاء قد اعتمدوا على المنطق في تحرير كتبهم لاستحالة العدول عن كل الحق في تأليف وتحرير العلوم عند من يعتقد بذلك عادة.</p> <p>وإذا قصد ابن تيمية أن العقلاء لم يدرسوا نفس كتب المنطق التي كتبها اليونان ومع ذلك فإنهم قد حرروا علومهم، فليعلم أن كلامنا ليس على نفس الكتب كما سبق الإشارة إلى ذلك، بل كلامنا إنما هو منصبٌّ على القواعد المنطقية سواء ذكرت في الكتب أم لم تذكر فيها، ومعلوم أنَّ الإسلاميين قد أكثروا من كتابة الكتب المنطقية أيضا، ومعلوم بالضرورة اعتماد كبير من الناس على هذه الكتب في تحرير العلوم، وقد لا نحتاج نحن في هذا العصر بل حتى في زمان ابن تيمية نفسه إلى قراءة نفس كتب اليونان للاطلاع على قواعد المنطق اكتفاءا منا بقراءة الكتب التي حررها علماء المسلمين في ذلك. ولذلك فإننا يمكننا تحرير ومناقشة علوم غيرنا بناءا على نفس قواعد المنطق ومن دون الحاجة إلى قراءة نفس كتب اليونان.</p> <p>وإذا قصد أن جميع العقلاء قد استغنوا عن جميع القواعد المنطقية التي يذكرها العلماء في كتبهم، ومع ذلك فقد حرروا علومهم، فإن كلامه باطل بالضرورة، وذلك بالالتفات إلى إقراره السابق بأن بعض المذكور في كتب المنطق هو الصحيح تماما، وللعلم بأن صورة القياس من الشكل الأول لا يستغني عنه واحد من الناس مطلقا، وكذلك مواد القضايا التي فيها الحواس والأخبار والتجربة وغير ذلك، فإن ذلك كله وسائل للعلم استخدمها العقلاء جميعا.</p> <p>فالحاصل من ذلك كله أن ادعاء ابن تيمية بأن جميع عقلاء بني آدم قد حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني باطل تماما.</p> <p>ب‌- استدلال ابن تيمية الشرعي على موقفه من علم المنطق بأن الله تعالى لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.</p> <p>فهو عبارة عن مغالطة لم يكن ابن تيمية ليستطيع كتابتها لولا اعتماده على القوانين المغالطية التي ذكرها المناطقة وحذروا منها. وبيان ذلك من وجوه</p> <p>الوجه الأول: إذا قصد ابن تيمية أنَّ الله لما لم ينصَّ نصَّاً على وجوب تعلم المنطق اليوناني، فهو إذن حرام وتعلمه باطل لعدم وجود هذا النصِّ.</p> <p>فكلام ابن تيمية على ذلك يكون باطلا تماما، لأنه من المعلوم كما سبق بيانه أن الخلاف ليس هو على قراءة نفس كتب اليونان أو كلامهم، بل هو في إفادة القواعد المذكورة في كتب علم المنطق سواءا وجدت هذه القواعد في كلام اليونان أو في كلام غيرهم. وذلك أنه لا يجوز القول بحرمة الشيء أو بعدم شرعيته لمجرد عدم وجود نص على وجوبه باسمه وشخصه وعينه، لأن كونه مشروعا يمكن أن يؤخذ من عموم الأدلة أو من مطلقها أو بالقياس إلى مثيلها، ولا يلزم وجود النص التفصيلي لذلك.</p> <p>الوجه الثاني: إذا كان ابن تيمية لا يقول بوجوب أو شرعية تعلم أمر ما إلا إذا نصَّتِ الشريعة نصا على ذلك باسمه ورسمه فهو كلام باطل تماما، لأن ذلك يلزم منه تعطيل أوامر الشريعة وعموماتها وإبطال القياس. فحاصل استدلال ابن تيمية على هذا الوجه أنه يقول: لا أقول بشرعية تعلم المنطق اليوناني إلا إذا ورد نص في الشريعة الإسلامية يقول:"إن تعلم المنطق اليوناني مشروع"، ولكن ما دام لا يوجد نص كذلك في الشريعة، إذن فإن تعلم المنطق اليوناني هو أمر غير مشروع. وهذا الكلام باطل لما علم من أن الكلام دائر لا على اسم المنطق وكونه منسوبا إلى اليونان أو إلى غيرهم، بل يُنظَرُ في المسألة من حيث هل هذه القواعد المذكورة في كتب علم المنطق مفيدة أو لا؟ وسواء بعد ذلك أكان العلم مكتشفا كفنٍّ مرتب ومكتوب في الكتب المنسوبة إلى اليونان أو إلى غيرهم.</p> <p>الوجه الثالث: كلام ابن تيمية مغالطة لقوله: "إن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني..الخ"، فعلق كلامه على أمر مُشَخَّصٍ بقوله "هذا المنطق اليوناني" أي إنه اعتبر أن الشريعة لما لم تأمر بتعلم هذا العلم من حيث كونه يونانيا، إذن فهي لم تأمر به مطلقا، وهذه مغالطة مكشوفة.</p> <p>فإن أحدا من العلماء لم يدَّعِ أن المنطق قد أمرت الشريعة به لأنه منطق يوناني أي منسوب إلى اليونان، بل قائل هذا كاذب ومفترٍ على الشريعة، ولا أعلم أحدا من الناس قد ادعى ذلك. ولذلك فإن ادعاء ابن تيمية نفي ذلك يوهم بوجود من قال به، وهذا افتراء على الناس وغلط محض.</p> <p>بل الخلاف كما سبق ذكره هو هل تعلم هذه القواعد المنطقية مشروعٌ أو غير مشروع. وحاصل الجواب إنما يتم بالقول: إذا كانت هذه القواعد صحيحة فتعلمها مشروع، وإلا فغير مشروع. هذا هو ملخص المسألة وكيف يجب أن تبحث، أما إدخال حيثيات وجهاتٍ فيها –ككونه يونانيا- وهي غير داخلة فيها أصلا فهو سفسطة محضة ومغالطة صريحة.</p> <p>الوجه الرابع: إذا كان ابن تيمية يوافقنا –على الأقل- في أن بعض القواعد المذكورة في المنطق صحيحة وتؤدي إلى العلم الصحيح فلا يجوز له أن يخالفنا في أن تعلم هذه القواعد على الأقل أمر مشروع، لأن هذا يكون مخالفة لنفس الشريعة. وظاهر كلامه أنه لا يوجد شيء صحيح تأمر به الشريعة في علم المنطق.</p> <p>فمن ذلك يتبين أن كلام ابن تيمية غير صحيح على إطلاقه.</p> <h4>ثالثا- المنطق بعضه صحيح وبعضه باطل</h4> <p>يقول ابن تيمية إن المنطق في نفسه بعضه صحيح وبعضه باطل. ومعنى الأمر في نفسه هو الماهية والحقيقة التي بها هو هو، وحقيقة المنطق هي مجموعة القواعد والقوانين التي إذا اتبعها الإنسان في تفكيره فإنه يجتنب الخطأ. هذا هو معنى المنطق في نفسه. وإذا كان هذا هو معناه في نفسه، فلا يجوز أن يقال مطلقا إن بعضه صحيح وبعضه باطل في نفسه، بل ما كان كذلك في نفسه فهو صحيح مطلقا، وهو مطابق للشريعة مطلقا، وهو مشروع مطلقا.</p> <p>هذا عن المنطق في نفسه، أما المنطق باعتباره مجموعة قواعد مدونة في الكتب، أو إذا كان الكلام عن كتاب معين من كتب المنطق، فلا نستطيع القول مطلقا إن كل ما فيه صحيح، بل يمكن أن يوجد فيه بعض الأغلاط. ولكن هذا المستوى من المعنى -أي كتب المنطق- لا يقال عليه "المنطق في نفسه"، كما لو قلتَ الإسلام في نفسه فهو حقٌّ مطلقا، فكلامك صحيح مطلقا، أما إذا كتب العلماء عن الإسلام كتبا فلا نستطيع الجزم بأن جميع ما يكتبونه فهو صحيح لأنه ربما لا يعبر عن الإسلام كما هو في نفس الأمر.</p> <p>إذن لا يجوز إطلاق القول بأن المنطق في نفسه بعضه باطل وبعضه حقٌّ.</p> <h4>رابعا- الباطل مما في كتب المنطق</h4> <p>لقد حدد ابن تيمية الباطل مما في كتب المنطق من قواعد بأنه يكاد ينحصر في النفي، فما أثبته المناطقة فأغلبه صحيح ثابت، ولكن بعض ما نفوه فهو باطل، هذا هو حقيقة ما يقول به ابن تيمية، كما سبق الإشارة إليه.</p> <p>ولكنه هنا يقول إن "أكثر أو كثير من الحق الذي في المنطق لا يُحتاج إليه"، وهذا القول غير مسلَّمٍ على إطلاقه هكذا، فإذا قصد أن أكثر الناس ومنهم العوام في العلوم لا يحتاجون إلى أغلب تفصيلات المنطق، فربما يسلم له، ولكن إذا قصد أن أكثر الناس لا يحتاجون إلى أغلب كليات المنطق فهو باطل. وإذا قصد أن أكثر الناس لا يحتاجون المنطق في أكثر الأوقات، فهذا القول يحتاج إلى تفصيل كما سبق. فالمتخصصون في العلوم العقلية يحتاجونه دائما، ويحتاجون إلى تفاصيله، وأما غيرهم من العوام فربما لا يحتاجون إلا إلى بعض كلياته، بل ربما لو تفحصنا حقيقة الواقع، فربما ينتج عندنا إن العوام أيضا يستعملون القواعد المنطقية في أغلب الأوقات، ومن دون دراستهم لها في الكتب.</p> <h4>خامسا- البليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه قوله "والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه" فهو كلام يحتوي على مغالطة، ثم بعد ذلك لا يسلَّمُ له.</h4> <p>أما المغالطة فبيانها كما يلي:</p> <p>المقصود من المنطق في الحقيقة هو تلك القواعد التي يتبعها الإنسان العاقل السليم الخلقة والصائب في التفكير إذا فكر وأثناء تفكيره. فقد حاول العلماء أن يستقرئوا هذه القواعد ويحددوها، ويستنبطوا ما أمكن من الطرق ثم يدونوها في كتب لكي يسهل على الناس تعلمها والانتباه إليها، فإذا كان هذا هو ما يقصده ابن تيمية بقوله "فأكثر الفطر السليمة تستقل به"، فإن كان يقصد بهذه العبارة: إن هذه القواعد موجودة في الفطرة السليمة، فإن قوله مغالطة، لأن ما تستقل به هذه الفطر السليمة هو حقيقة المنطق محل الكلام، وليس أمرا آخر غير المنطق، فكيف يقول ابن تيمية بعد ذلك إن الفِطَرَ تستقل به، فهل يستقل بالشيء عن عين الشيء؟!</p> <p>فإذا قيل إنه يقصد إن الفطر السليمة تستقل عن تعلم المنطق من الكتب، يقال: إن القواعد المكتوبة في الكتب لا يقال إنها المنطق في نفسه كما سبق ذكره، ولكنها كتابة للمنطق وتعبير عن المنطق، بل المنطق في نفسه هو عين تلك القواعد التي يستخدمها الإنسان أثناء تفكيره لا بقيد وجودها في كتب أو في حافظة الإنسان، فكيف يجوز له أن يقول إن الفطر السليمة تستقل به؟! فهذا هو بيان المغالطة.</p> <p>وأما إن قصد إن الفطرة لا تعتمد في تفكيرها على أي من هذه القواعد المذكورة في كتب علم المنطق، فإن جماهير العقلاء يناقضونه في هذا القول.</p> <p>وأما قوله:"إن البليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه" فهو غير مسلم، فإن البليد إذا زاول الأمر وكرره على نفسه فإنه يترسخ فيه ويستحضره وينتفع به، وهذا هو المسمى بالعقل المكتسب عند العلماء أو الذكاء المكتسب، فإذا كنا نقول بحقية تلك القواعد في نفس الأمر، فلا يجوز أن يقال إن البليد لا ينتفع بها إذا تعلمها.</p> <p>وكذلك لا يجوز أن يقال إن الذكي يستغني عنها، فإن هذا القول يستلزم أن الذكي لا يخطئ أبداً، ولكن لا يوجد ذكي واحد لم يقع في خطأ فضلا عن أخطاء عديدة، بل لا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ غير الأنبياء وهؤلاء إنما عصموا بعصمة الله تعالى لهم، فإذا سلمنا أنه لا ذكي إلا ويخطئ، فكيف يمكن دلالة هذا الذكيِّ على خطئه أو تعرفه إليه إلا من خلال اتباع قواعد عامة يفحص بها الذكي معاني ما يقوله ويفكر فيه ويحاكم بها تفكيره بعين القواعد المأخوذة من عقله السليم. وهذه القواعد هي بعينها المنطق.</p> <p>فيلزم إذن احتياج الذكي والبليد إلى علم المنطق، وبالأولى ما بينهما من طبقات من الناس. ويبطل كلام ابن تيمية.</p> <p>بل عدم احتياج الذكي إلى تلك القواعد يستلزم عدم احتياجه إلى لوازم فطرته على حدِّ قول ابن تيمية أو إلى ما هو جزء منها، بل القول بذلك يستلزم القول بعدم احتياج الذكي إلى قواعد مطلقا وهو غير صحيح.</p> <h4>سادسا– المفاسد ناتجة عن المنطق</h4> <p>أما ادعاء ابن تيمية بأن المفاسد ناتجة عن المنطق فهو غير صحيح، بل المفاسد يمكن أن يقع فيها الواحد لا لمجرد التزامه بدراسة علم المنطق بل إن كثيرا من المفاسد وقعت ممن هم أكثر الناس قربا إلى علم الحديث، فقد كثر فيهم التجسيم والعقائد الفاسدة، ولا يقال إن سبب وقوعهم في هذه المفاسد إنما هو التزامهم بالحديث، بل هو سوء تفكيرهم وسذاجة تدبرهم لمعانيه. وكذلك إذا وقعت مفسدة ممن هم متخصصون بعلم المنطق فلا يقال إن علمهم بالمنطق هو سبب هذه المفسدة، بل سببها هو سوء تدبرهم وتعقلهم أي ممارستهم لنفس هذه القواعد.</p> <h4>سابعا– ادعى البعض أنه كله كلام حق</h4> <p>وأما قوله إن البعض ادعى أنه كله كلام حقٌّ، فإذا قصد هذا القائل ما قلناه عن المنطق في نفسه فهو صحيح، وحاصل قوله عندئذ: إن كل ما هو قاعدة صحيحة للتفكير فهو حق، أي إن كل ما هو قاعدة إذا التزم بها الإنسان في تفكيره تعصمه عن الخطأ فهذه القاعدة صحيحة وحقٌّ، فيكون كلامه صحيحا.</p> <p>أما لو قصد أن كل ما كتبه المناطقة في كتب المنطق صحيحٌ، فهذا الكلام باطل، وأنا لم أعرف حتى الآن واحدا قال بهذا المعنى. وابن تيمية في رده على من يقول بذلك يفهم من كلامه أنه يوجد من قال بذلك، وعليه أن يبين لنا هو أو أحد أتباعه من هو القائل، أو يصبح كلامه مجرد ادعاء لا دليل عليه.</p> <p>هذا كان تحليلا سريعا ومختصرا لكلام ابن تيمية الذي يُجْمِلُ فيه رأيَه في علم المنطق، بَـيَّـنَّـا نحن أن كلامه غير منطقي مطلقا وغير صحيح.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=104&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="6OGWehZrpmCCPXhG-L9SDri4w9-8Ffm9DXgsB7Xf6n4"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:07:04 +0000 عمر عبدالله كامل 104 at https://okamel.com المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9 <span>المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:05</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/al5lafyh.jpg" width="620" height="280" alt="المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى من تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد،،،</p> <p>فهذه الرسالة من تأليفات الإمام العالم ابن كمال باشا (873-940هـ) وهو من علماء الدولة العثمانية المشهورين، كان معاصراً للإمام السيوطي، واشتهروا الاثنان في ذلك العصر بالإحاطة بمختلف العلوم.</p> <p>ولاختصار الرسالة، أحببت أن يكون الشرح مناسباً لها، بحيث إذا قرأها الطالب المبتدئ في هذا العلم حصّل مقاصدها.</p> <p>أقول:</p> <p>أهل السنة هو اسم لجماعة المسلمين، وهم الطائفة الذين أحسنوا فهم الشريعة، وتمكنوا من حقيقة أصولها، ولم يقطعوا إلا بما قطع به الشرع في المنقولات، ولم يجزموا إلا بما لا تتردد به العقول في باب المعقولات.</p> <p>ويتميز أهل السنة عن غيرهم أهم ما يتميزون بعلم التوحيد، وهو علم الكلام وعلم أصول الدين، نعم إن علوم الفقه أيضا تجمعهم والتفسير وغيرها من العلوم، ولكن قد يشاركهم في نظرهم وعلومهم في هذه العلوم غيرهم، ويبقى تميزهم في علم التوحيد هو الأصل.</p> <p>وبعض العلماء يدرجون علم أصول الفقه كمميز لأهل السنة بالإضافة إلى علم التوحيد، وهذا الأمر ليس ببعيد بل أراه لازماً محققاً خاصة إذا عرفنا أن كثيراً من علم الأصول ينبني على علم التوحيد، وإذا علمنا أن محققي العلماء اعتبروا أصول مسائل علم أصول الفقه مسائل كلامية عقائدية كحجية الكتاب والسنة والإجماع، بغض النظر عن تفريعاتها التي هي مسائل أصولية. ولا يخفى على القارئ دقة هذا النظر والتحقيق.</p> <p>وأكثر ما يرجع إليه تميز علماء أهل السنة في العلوم الأخرى كالتفسير والفقه والحديث وغيرها مما يؤول أخيراً إلى هذين العلمين الجليلين، خلا مسائل منثورة يثبت أنها من الدين قطعاً، ترجع من جهة من الجهات إلى الأصول وإن توهم كونها فرعية أو تفسيرية محضة.</p> <p>وأما الأصول التي يتميز بها أهل السنة في علم التوحيد عن غيرهم من الفرق الإسلامية فهي أصول جليلة، منها ما يرجع إلى نفس المسائل. فما يرجع إلى الطريقة والمنهج جمعهم بين العقل والنقل، وعدم تسرعهم بالقطع في ما لا يقطع فيه، سواء كان عقلياً أم نقلياً، فلم يدعوا أن بعض النقليات قطعية صريحة وهي ليست كذلك كما فعل الشيعة الأمامية في النص على الإمام وبالغوا في ذلك حتى جعلوه أصلاً من أصول الدين، ولا كما فعل المجسمة والكلامية حين مشوا على ظواهر نصوص، فشبهوا الله تعالى بخلقه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولم يدعوا أن بعض العقليات قطعية أساسية وهي ليست كذلك كما فعل المعتزلة حين مشوا على ظواهر الحسن فادعوا أن الإنسان يخلق فعله، وأن فعله من جنس فعل الله بحيث يتصور التدافع بينهما، وحين قالوا إن الحسن والقبح ثابتان في نفس الأمر، وأن أفعال الله تابعة لذلك.</p> <p>وجزم أهل السنة أيضاً بالتنزيه لله تعالى في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فخالفوا المجسمة عندما شبهوا الله تعالى من حيث الذات بالمخلوقات، فأثبتت المجسمة لله حداً وجهه وحلول الحوادث في ذاته، ونفى أهل السنة ذلك كله كما نفوا التركيب عن ذات الله تعالى. (وقالت أهل السنة المعتزلة) في أفعال الله تعالى وصفاته، حيث أثبت المعتزلة خلق الأفعال. وخالفهم أهل السنة لأن أفعال الله خلقٌ لا من شيء، وأفعال الإنسان تصرفٌ فيما خلق الله بالكسب، بالقدرة التي خلقها الله فيهم. فهم لا يقولون بكون الإنسان مضطراً كما لا يساوون بأية حقيقة فعل الله وهو الخلق لا من شيء، وبين حقيقة فعل الإنسان الذي هو كسب لشيء. ففعل الإنسان قائم به، وفعل الله غير قائم بذاته، وفعل الإنسان يزيده نقصاً أو كمالاً، ولكن الله تعالى لا يتكمل بأفعاله... وهذا أصل عظيم راجع إلى تنزيه الله تعالى في صفاته وأفعاله.</p> <p>ولذلك فإننا نقول إن الذين شبهوا الله تعالى في ذاته، كالمجسمة فإنهم غالبا يشبهون في صفاته وأفعاله بالمخلوقات، وأما المعتزلة فلم يشبهوا بالذات، بل شبهوه بالصفات فنفوها وبالأفعال فأثبتوا الوجوب والصلاح أو الأصلح، وخلق الأفعال ومشابهة فعل الإنسان لفعل الله في الجنس. ولذلك فهم مشبهة في الأفعال كما كان المجسمة مشبهة لله في الذات والصفات فأثبتوها على وفق ما هو في الشاهد وغايروا بينها وبين ذرات المخلوقين في الشكل والصورة.</p> <p>فهذه أصول مهمة يتميز بها أهل السنة عن غيرهم من الفرق، أحببت أن ألفت النظر إليها قبل الشروع في شرح هذه الرسالة اللطيفة كالتوطئة، ولتكون قواعد يستحضرها القارئ الهمام أثناء فهمه لبقية المسائل.</p> <p>المسألة الأولى:<br /> قال الماتريدي: التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كجميع صفاته، وهو غير المكوّن، ويتعلق بالمكوّن من العالم وكل جزء منه وقت وجوده، كما أنه إرادة الله أزلية تتعلق بالمرادات بوقت وجودها وكذا قدرته تعالى الأزلية مع مقدراتها.</p> <p>وقال الأشعري: إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية. والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد ويتعلق وجود العالم بخطاب كُنْ.</p> <p>وحاصل هذه المسألة عند الإمام الماتريدي هو أن الله تعالى يتصف بصفات ثلاث، القدرة والإرادة والتكوين، وأن كل صفة من هذه الصفات لها تعلق بالممكنات، فالإرادة تعلقها قديم بالمرادات، وهي تخصص المرادات بوقت وجودها، وكذلك القدرة فلها تعلق قديم بالمقدورات، وحقيقة تعلق القدرة عند الإمام الماتريدي ليس هو عين الإيجاد والإعدام، وإلا لم يكن قديماً، بل تعلقها بالمقدورات معناه تصحيح اختراع هذه المقدورات، أي أن كون الله قادراً معناه أن الله يصح أن يخلق هذه الممكنات لا من شيء، والمصحح لهذا الحكم الثابت لله جل شأنه هو صفة القدرة أو اتصافه جل شأنه بالقدرة.</p> <p>وأما التكوين فهي صفة معنى كالقدرة والإرادة، ولها تعلق بما يكوّنه الله تعالى أي بما يوجده، وهذا التعلق لا يكون إلا حادثاً وقت تكوين وخلق الموجودات.</p> <p>ومن هذا تعلم أن التكوين صفة أزلية قائمة بالله ولها تعلق تنجيزي حادث بالمكوّنات وقت حدوثها أي وقت حدوث المكوّنات والموجودات المخلوقة.</p> <p>ولذلك يقول العلماء التكوين غير المكوّن، لأن التكوين هو الصفة القديمة، والمكوّن هو المخلوق الحادث.</p> <p>وأما حاصل المسألة على مذهب الإمام الأشعري فهي:</p> <p>إن الله يتصف بالإرادة الأزلية، ولها تعلقات كما يقول الماتريدي، فلا تخالف صفة الإرادة.</p> <p>وأما القدرة على مذهب الأشعري، فهي صفة أزلية أيضاً، وإلى هذا الحدّ لا خلاف مع الماتريدي، ولكن الأشعري يقول: إن للقدرة تعليقين الأول تعلق صلوحي قديم، يلزم عنه صحة الحكم بأن الله يصح أن يخلق ويوجد لا من شيء جميع المخلوقات، والتعلق الثاني تنجيزي حادثُ يتعلق بالمخلوق الحادث عند حدوثه. فالإيجاد والإعدام بالفعل من أحكام القدرة عند الإمام الأشعري، وهما من أحكام التكوين عند الماتريدي.</p> <p>وأما التكوين عند الأشعري فهو تعلق القدرة التنجيزي بالمقدورات، إن كان أثره كوناً عاماً أي وجوداً، فيُسمّى نفس التعلق تكويناً، وإن كان أثر التعلق رِزقاً، يُسمى نفس التعلق ترزيقاً، وإن كان أثر التعلق وجود حياةٍ، فيسمى إحياءً، وإن كان إيجاد موتٍ فيُسمى التعلق إماتةً.</p> <p>فالتكوين إذن عند الأشعري هو وصف لنفس تعلق القدرة التنجيزي بملاحظة أثره. والتكوين عند الماتريدي هو نفس الصفة الأزلية الصادر عنها المكوّن والمخلوق... الخ.</p> <p>ولذلك فالتكوين عند الأشعري وصفٌ حادثٌ لله تعالى، وهو ليس أمراً وجودياً قائماً بالله تعالى، بل نسبة إضافية بين المخلوق وبين الله تعالى من حيث هو خالقٌ. ولذلك فالتكوين عند الأشعري من صفات الأفعال، بل هو من أوصاف الأفعال.</p> <p>ومن الظاهر أن هذا الخلاف ليس أصلياً، لأن الاتفاق فصل بينهم على ثبوت هذين النوعين من التعلقات، ولو قال واحدٌ إن الله لا يصح أن يخلق بعض الممكنات لكان خلافاً أصلياً، ولو قال واحدٌ إن الله لم يخلق بالفعل بعض الممكنات وقال غيره بل خلق بالفعل كل الممكنات لكان خلافاً أصلياً. ولكن حقيقة الخلاف بين الإمامين ليست في شيء من ذلك.</p> <p>والجهة الوحيدة التي يتحقق فيها الخلاف، هي هل يثبت لله صفة زائدة على القدرة اسمها التكوين أم لا، ومعلوم أن الأصل المتفق عليه عندهما هو أن كمالات الله لا تتناهى، فإثبات صفة كمال لا تؤدي إلى نقص لا ينتقص هذا الأصل. بخلاف ما لو أثبت واحدٌ صفة تستلزم التشبيه كالجارحة والحدِّ، فإن الخلاف يصير أصلياً عند ذاك.</p> <p>المسألة الثانية:<br /> قال الماتريدي: كلام الله تعالى ليس بمسموع وإنما المسموع الدّالُّ عليه.</p> <p>ونقل القاضي الباقلاني عن الأشعري: كلام الله غير مسموع على العادة الجارية، ولكن يجوز أن يُسْمع الله تعالى من شاء من خلقه على خلاف قياس العادة من غير واسطة الحروف والصوت.</p> <p>وقال أبو إسحاق الإسفراييني ومن تبعه: إن كلام الله تعالى غير مسموع أصلاً، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي.</p> <p>أقول:</p> <p>اتفق الإمام الأشعري مع الماتريدي على أن الله تعالى يتصف بصفة نفسية هي الكلام.</p> <p>وأما الخلاف في كون الكلام مسموعاً أو غير مسموع، فهو ليس في نفس الكلام بل في نسبة أمر له تعلق بالمخلوقات إليه، وهو كونهم يسمعونه أم لا.</p> <p>وعندي أن الخلاف بينهما يؤول إلى خلاف لفظي في هذه المسألة.</p> <p>فمعنى سماع كلام الله تعالى، عند الأشعري أن الله تعالى يخلق إدراكاً في الحاسة أو في النفس مما يخلق عادة في الحاسة، وهذا الإدراك يدل على كلام الله تعالى ولا يشترط سبق هذا الخلق بالأسباب العادية كالأصوات أم لا.</p> <p>ومعنى السماع عند الماتريدي هو اتصال الصوت مثلاً بالحاسة وكون هذا الصوت دالاً على الكلام القديم.</p> <p>ولذلك فكلام الله عند الأشعري مسموع بهذا المعنى.</p> <p>المسألة الثالثة:<br /> قال الماتريدي: صانع العالم موصوفٌ بالحكمة سواءٌ كانت الحكمة، بمعنى العلم أو بمعنى الإحكام.</p> <p>وقال الأشعري: إن كانت الحكمة بمعنى العلم فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، وإن كانت بمعنى الإحكام فهي صفة حادثةٌ من قبيل التكوين، لا يوصف ذات الباري بها.</p> <p>أقول:</p> <p>الحكمة جعل الشيء في موضعه اللائق والمناسب. ولا شكّ أن الله تعالى حكيم، ولا شك أن الحكمة لها علاقة بالعلم من جهة وبالفعل المتقن من جهة أخرى.</p> <p>فالإمام الماتريدي أطلق القول بأن الله تعالى موصوف بالحكمة، وأن الحكمة وصف على ذات الله تعالى، وهو إما أن يكون راجعاً إلى العلم بالأفعال المتقنة، أو يكون راجعاً إلى صفة التكوين القديمة التي يثبتها الماتريدي، بمعنى أن الإحكام في الأفعال من لوازم التكوين، والتكوين قديم، واللازم لا ينفك عن الملزوم، فالوصف بالحكمة قديم.</p> <p>فالحكمة من صفات الأفعال عند الإمام الأشعري وليست راجعة إلى نفس الذات ولا إلى صفة قديمة، بل هي وصف للتعلقات الحادثة للقدرة القديمة القائمة بالذات. والأوصاف التي للأفعال ليست صفات لله تعالى لأن الحكمة ترجع إلى صفات للأفعال بأنها متقنة مُحكمةٌ، وهذا الأمر ليس معنى قائماً بالله بل بالأفعال، وإن كان منشأه الله تعالى من حيث هو قادرٌ عالمٌ.</p> <p>المسألة الرابعة:<br /> قال الماتريدي: إن الله تعالى يريد بجميع الكائنات جوهراً أو عرضاً طاعة أو معصية، إلا أن الطاعة تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره ورضائه ومحبته وأمره، وأن المعصية تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره لا برضائه ومحبته وأمره.</p> <p>وقال الأشعري: إنّ رضاء الله تعالى ومحبته شامل لجميع الكائنات كإرادته.</p> <p>وبناءً على هذا، فإن الماتريدي يقول: إن إرادة الله تعالى متعلقة بالجواهر والأعراض جميعها، وهذا هو الأصل الذي ذكرناه سابقاً، وهو محل اتفاق بين الماتريدي والأشعري، ثم يقول الماتريدي وهذا التعلق صحيح سواء كانت الأعراض طاعة أم معصية، أي سواء وضعت وحكم عليها بأنها طاعة أو معصية. وهذا القول صحيح أيضا على مذهب الأشعري، ولا خلاف فيه.</p> <p>ولكن حصل الخلاف فيما وراء ذلك، وهو أن الطاعة تقع بمشيئة الله تعالى كما قالا، وتكون محل رضى الله تعالى اتفاقاً، وأما المعصية فمع وقوعها بإرادة الله اتفاقاً إلا أنها تكون ليست في محل رضاه بل سخطه ونهيه عند الإمام الماتريدي.</p> <p>وأما الإمام الأشعري فيرى أن محبة الله شاملة لجميع الأعراض طاعة كانت أو معصية، وفي هذا إطلاق القول بأن الله تعالى يحب المعصية.</p> <p>والصحيح أن مذهب الأشعري ليس كذلك، بل قد أطلق القول بأن الله يحب المعصية معاقباً عليها كما يحب الطاعة مثاباً عليها.</p> <p>والمحبة عند الأشعري ليست ملازمة للإرادة كما هو واضح أي ليست مساوية لها في التعليقات. ولا المحبة صفة معنى قائم بالذات كما هي الإرادة. بل الرضا والسخط يكون من لوازم الأمر والنهي، فالذي يرضاه الله هو الذي يأمر به، والذي يسخط عليه ينهى عنه.</p> <p>المسألة الخامسة:<br /> تكليف ما لا يطاق ليس بجائز عند الماتريدي، وتحميل ما لا يطاق عنده جائزٌ.</p> <p>وكلاهما جائزان عند الأشعري.</p> <p>والإمام الأشعري استدل على قوله بقول الله تعالى ]رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ[ والتحميل عنده تحميل تكليف، ولو لم يكن التحميل بما لا يطاق جائزاً لما صحّت الاستعاذة منه.</p> <p>وأما الماتريدي، ففرق بين التكليف والتحميل، فالتكليف طلب الفعل أو الإلزام به مع ترتب الثواب والعقاب بحسب ما مرّ، وأما التحميل فمن دون ترتب ثواب ولا عقاب، وليس هو تكليف إذ جاز أن يحمل أحداً بحيث لا يُطيق فيموت بحمله.</p> <p>ومن البيّن من كلام الأشعري أنه يجيز التكليف مما لا يطاق عقلاً فقط لا فعلاً وواقعاً.</p> <p>المسألة السادسة:<br /> قال الماتريدي: بعض الأحكام المتعلقة بالتكليف معلومٌ بالعقل، لأن العقل آلةٌ يُدْرَك بها حُسْنُ بعض الأشياء وقُبحها، وبها يُدْرك وجوبُ الإيمان وشكرُ المنعم، وإن المعرِّف والموجِبَ هو الله تعالى لكن بواسطة العقل.</p> <p>وقال الأشعري: لا يجب شيء ولا يحرم إلا بالشرع لا بالعقل.</p> <p>اشتهر عن علماء الكلام أن الحُسنَ والقبح يطلقان على عدة معان.</p> <p>الأول: الملائم للإنسان والمنافر له.</p> <p>الثاني: صفة الكمال وصفة النقص، كالعلم لا شك أنه كمال من حيث ذاته، وهو حسن، والجهل يطلق عليه أنه قبيح.</p> <p>المعنى الثالث للحسن والقبح فهو ترتب الثواب والعقاب على الشيء، أي إن الفعل يطلق عليه إنه حسن إذا ترتب الثواب على فعله والعقاب على تركه.</p> <p>وبعبارة أخرى هل توجد علاقة عقلية، أي يمكن دَرْكُها بالعقل بين الفعل وبين الثواب والعقاب، أم إن هذه العلاقة جعلية محضة، بمعنى أن الشارع يجعلها ويثبتها بمحض إرادته ولو شاء أن لا يثبتها لما كان هناك مانع مطلقاً عند العقل.</p> <p>ولا خلاف بين علماء المذاهب والفرق الإسلامية في أن الحسن والقبح بالمعنيين الأوليين عقليان، أي يمكن إدراكهما بالعقل، بلا شرط وجود الشريعة. ولكن محل الخلاف إنما وقع في المعنى الثالث للحسن والقبح بحسب ما وضحناه أخيراً.</p> <p>إن الماتريدية قالوا، لا شك أن الثواب والعقاب بإرادة الله، وأنه هو الواضع لذلك والجاعل له، وأن ترتب الثواب والعقاب على الأفعال بجعل الله تعالى.</p> <p>وأما الأشاعرة، فقالوا إن العقل وإن لاحظ المناسبة بين ما قلتم، إلا إنه لا يستطيع الجزم والحكم بأن ما أدركه هو قطعاً الذي سوف يحصل. ولذلك فلا حكم للعقل مطلقاً في هذه الحالة، والحكم إنما هو للشريعة.</p> <p>وبهذا يتضح أن الفريقين اتفقا على الأصل الكبير الذي ذكرناه ولم يخالف واحدٌ منهما. وإنما وقع الخلاف بينهما في أمر آخر، وهو هل آلة إدراك الأحكام منحصرة في الشرع فقط، أم إن العقل يمكن أن يدركها. وهذا ليس خلافاً في نفس ذلك الأصل كما هو ظاهر.</p> <p>ولذلك قال الماتريدية: إن الله تعالى قد وضع من الدلائل والأمارات على وجوده وعلى وجوب الإيمان به، ما يستقل العقل إذا أدركه بالعلم بالوجوب، وبترتب الثواب على الإيمان وترتب العقاب على الكفران.</p> <p>وأما الأشاعرة فقالوا: مع أن العقل يمكن أن يقيم الأدلة على وجود الله تعالى وأن هذا هو الحق، ومع تضافر الأدلة العقلية على ذلك، إلا أننا لا يمكن الجزم بترتب العقاب والثواب على ما ذكرتم إلا بورود الشريعة.</p> <p>المسألة السابعة:<br /> قال الماتريدية: قد يسعد الشقي وقد يشقى السعيد.</p> <p>وقال الأشعري: لا اعتبار بالسعادة والشقاوة إلا عند الخاتمة والعاقبة.</p> <p>أقول:</p> <p>عرف الماتريدية السعادة بأنها الإسلام.</p> <p>وعرّف الإمام الأشعري السعادة، بأنها الموتُ على الإسلام، ولم يعتبر الإمام الأشعري في مفهوم السعادة والشقاوة إلا حال الموت.</p> <p>ومن الواضح أن الخلاف يؤول إلى أن يكون لفظياً مع هذا التوضيح، وهكذا صرّح أكثر من واحد من العلماء وهو الذي أراه.</p> <p>وبناءً على ذلك، فالسعيد قد يصير شقياً وبالعكس عند الإمام الماتريدي، إذا تغير حاله من كفر إلى إيمان أو من إيمان إلى كفر. وأما عند الإمام الأشعري فالسعادة والشقاوة لا تتبدلان لأنهما حكم الإنسان في زمانٍ معين وهو حال الموت، وهو إما أن يكون الإسلام أو الكفر.</p> <p>المسألة الثامنة:<br /> قال الماتريدي: العفو عن الكفر ليس بجائزٍ عقلاً.</p> <p>وقال الأشعري: يجوز عقلاً لا سمعاً.</p> <p>فالعقل آلة لمعرفة الوجوب الذي أثبته الله عند الإمام الماتريدي.</p> <p>والإمام الأشعري لما كان يتكلم عن العقل من حيث هو مرتبة للأمر في نفسه، جزم بأن الله لا يجب عليه ثواب المؤمن ولا عقاب الكافر عند العقل، وجزم بأن الله تعالى يثيب المؤمن ويعاقب الكافر.</p> <p>المسألة التاسعة:<br /> قال الماتريدي: تخليد المؤمنين في النار وتخليد الكافرين في الجنة لا يجوز عقلاً ولا سمعاً.</p> <p>وعند الأشعري يجوز عقلاً، وأما سمعاً فلا يجوز.</p> <p>أقول:</p> <p>شرح هذه المسألة راجع إلى نفس الأساس الذي وضحنا بناءً عليه المسألة السابقة، وهما مبنيان على الحسن والقبح.</p> <p>فلا يوجد علاقة في نفس الأمر بين الكفر والثواب والعقاب، ولا بين الإيمان والثواب والعقاب.</p> <p>فالله تعالى لو شاء أن يرتب الثواب على الكفر والعقاب على الإيمان لجاز ذلك ولا يوجد ما يمنعه عند الإمام الأشعري. قال الله تعالى: إن الله على كل شيء قدير.</p> <p>فالخلاف يعود إلى خلاف فرعي، لأن كلاً منهما لا يجيز تخليد المؤمن في النار والكافر في الجنة سمعاً.</p> <p>المسألة العاشرة:<br /> قال بعض الماتريدية: الاسم والمسمّى واحِدٌ.</p> <p>وقال الأشعري بالتغاير بينهما وبين التسمية.</p> <p>أقول:</p> <p>إن أهمية هذا الأمر تعود إلى فهم أسماء الذات الإلهية، والأسماء التي تطلق على صفات المولى سبحانه، والأسماء التي تطلق على أفعال المولى سبحانه.</p> <p>فالتي تطلق على الذات:( الله – الرب ) فهي دالة على الذات الإلهية، أما التي تطلق على الصفات فيقصد بها صفة معنى قائمة بالذات الإلهية، وهذه الصفة لا يقال هي الذات ولا غير الذات.</p> <p>ولشرح هذا الأمر: فإن لفظ الجلالة (الله) يدل على الذات بجميع صفاتها، أما أسماء الصفات فتدل على صفة واحدة من صفات المولى سبحانه، وأما صفات الأفعال كالرازق والمنعم فتدل على فعل الذات الإلهية لأن لها متعلقات، فالرازق تقتضي مرزوق، والمنعم تقتضي منعماً عليه، فكان نظر الماتريدي إلى أسماء الذات، ولاحظ الأشعري بقية الأسماء.</p> <p>المسألة الحادية عشرة:<br /> قال الماتريدي: فِعلُ العبد يُسمَّى كسباً لا خلقاً، وفعلُ الحقّ يُسمَّى خلقاً لا كسباً، والفعل يتناولهما.</p> <p>وقال الأشعري: الفعل عبارة عن الإيحاد حقيقة، وكسْبُ العبد يُسمّى فعْلاً بالمجاز.</p> <p>أقول:</p> <p>ولا يخفى على القارئ أن الإمامين الماتريدي والأشعري اتفقا على أنه لا خالق إلا الله تعالى، ومعنى الخالق الموجد لا من شيء، فيستحيل أن يكون العبدُ خالقاً بهذا المعنى، فالخلاف بينهما فرعي وليس أصلياً.</p> <p>فمحلُ الخلاف بين الأشعري والماتريدي، أن الأشعري يقول: كلمة الفعل تطلق حقيقةً ويراد بها الإيجاد لا من شيء، ولذلك فوصف الله تعالى بأنه فاعلٌ حقيقةٌ لغوية، وأما وصف العبد بأنه فاعلٌ فهو مجاز لغويُّ.</p> <p>وأما الإمام الماتريدي فقد قال إن إطلاق اسم الفعل على الخلق والكسب هو إطلاق حقيقي لغة.</p> <p>أن الإمام الأشعري لا ينفي اتصاف الإنسان بالقدرة، ولكن أثر هذه القدرة ليس هو الإيحاد من العدم، بل هو اكتساب ما خلقه الله تعالى وأوجده من العدم. ولذلك فقدرة الإنسان لا تتعلق إلا بالموجودات بخلاف قدرة الله، بمعنى أن قدرة الله تؤثر في الممكن فتوجده بعد عدمه، ولكن قدرة الإنسان تتعلق بالممكن الموجود على سبيل الاكتساب لا على سبيل الإيجاد.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=103&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="KvtrhNkDe6qGAPFCpNHUYJWb0p9_Zt1hSqBRFVaHwe4"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:05:24 +0000 عمر عبدالله كامل 103 at https://okamel.com النبلة رائدة السلام https://okamel.com/index.php/mgalat/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85 <span>النبلة رائدة السلام</span> <span><span lang="" about="/user/1" typeof="schema:Person" property="schema:name" datatype="">عمر عبدالله كامل</span></span> <span>أربعاء, 05/06/2020 - 04:03</span> <div class="field field--name-field-images field--type-image field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"> <img src="/sites/default/files/2020-05/alnblh.jpg" width="620" height="280" alt="النبلة رائدة السلام" typeof="foaf:Image" /> </div> </div> <div class="field field--name-body field--type-text-with-summary field--label-hidden field__item"><p>أعتقد كثير من الناس أن صاروخ اسكود العراقي هو الذي قرب منهج السلام، كما أعتقد آخرون أن أزمة الخليج هي التي هيأت الجو للسلام، وأيضا أعتقد بعض المغفلين أن تهديد صدام حسين بالكيماوي المزدوج الذي سوف يحرق نصف اسرائيل هو الذي قاد الى أزمة الخليج والى السلام.</p> <p>الواقع أن هناك جندي مجهول هو "طفل الحجارة" ذلك الطفل الذي أستخدم السلاح المتوفر في يده وهو الحجر والنبلة التي يصنعها بنفسه، فألقت الرعب في قلوب اليهود خصوصا وأن الملك داود عليه السلام قتل جالوت بذات السلاح، وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء.</p> <p>لقد استخدمت الفئة القليلة المؤمنة ما استطاعت من سلاح وهو "النبلة" مصداقا لقوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)، وناضل هؤلاء الشرفاء فعلموا الكبار معنى النضال، ودفعوا دمائهم الزكية لإقلاق اسرائيل حتى خشيت أن يمتد الاضطراب الى داخل اسرائيل، وأرعبوا الجنود الاسرائيليين وهم الجبناء أمام الصادقين بنص القرآن الكريم، فكانت النبلة أكثر فائدة وحصادا من أكوام الحديد التي دفعنا ثمنها أضعافا مضاعفة في جميع الدول العربية حتى تكون نهبا للصدأ والتقادم، علاوة على نهب أموالنا.</p> <p>لقد وعدنا المولى عز وجل بالنصر بقوله: (يا أيها الذين أمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، لقد نصرت هذه الفئة الله وأوقعت اسرائيل في خسائر مالية لا تقل عن ثلاثة آلاف مليون دولار دفعتها جديا للتفكير في السلام وكبح جماح هذا الجيل الذي شرد وطرد، وأصبح كل فرد منه قنبلة موقوتة تثير الرعب في النظام الاسرائيلي بأكمله.</p> <p>ولعل الكثير من العرب لا يعلمون أن هذا الصمود الذي تجلى في الاضراب عن فتح الأسواق واغلاق أبواب الرزق طواعية في الضفة الغربية وغزه لم تموله المنظمة ولو بقرش واحد، وانما قام على احسان المحسنين بتعويضهم عما فاتهم من قوتهم، وإذا بالأمور تنقلب فجأة رأسا على عقب، وكالعادة يستحوذ البعيد الذي لا يد له في واقع التغيير على الواجهة، وتصبح المنظمة وريث طفل الحجارة الذي لم تمده بأي عون أو مساعدة.</p> <p>لو تركوا طفل الحجارة لكان أكثر جدية في الحصول على مقدسات المسلمين، ولظل شوكة في عين النظام الاسرائيلي الذي لن يرى السلم ولا الهدوء مالم يخرج هذه الشوكة من عيونه، والاخراج هو بالعودة الى حدود عام 1948م، ولكن الذكاء اليهودي تفجر عن الاجتماع بمنظمة التحرير، فهي أهون وأيسر مراسا، ليس هذا وحسب بل وسوف تقوم بدور الشرطي الذي يكبح جماح هذا الطفل ويمارس دور الشرطي ويرفع العصى الغليظة عليه.</p> <p>فلتحيا الحجارة، ولتحيا النبلة، وليحيا ساعد الفتى الفلسطيني الذي علم الكبار أن الحروب ليس بمقدار المعدات بقدر ماهي إخلاص النيات.</p> </div> <div class="field field--name-field-tags field--type-entity-reference field--label-hidden field__items"> <div class="field__item"></div> </div> <section class="c-comments"> <div class="c-content-title-1"> <h3 class="c-font-uppercase c-font-bold"> إضافة تعليق </h3> <div class="c-line-left"></div> </div> <drupal-render-placeholder callback="comment.lazy_builders:renderForm" arguments="0=node&amp;1=102&amp;2=field_comments&amp;3=comment" token="OySbTw3DkmpUJETmSrqIcOgg6nhLYw6RSF3e13cgLLQ"></drupal-render-placeholder> </section> Wed, 06 May 2020 01:03:58 +0000 عمر عبدالله كامل 102 at https://okamel.com